تراكمت مجموعة عوامل معقدة، اضطرتني لاتخاذ قرار مصيري، وهو السفر من وطني العراق بنية اللا عودة، مالم تتغير تلك الظروف بشكل جذري، والتي كنت اعلم انها من سابع المستحيلات. وعليه قررتُ السفر الى لندن، حيث يقيم خالي وصديقي الحاج كريم رحمه الله، وأخي سعد الذي كان يدرس في احدى الكليات، لعدم حصوله على قبول في الجامعات العراقية.
أصبح هذا القرار مُستعجلاً ومُلحاً، بعد ان قام صدام حسين بإحكام قبضته على السلطة أثناء فترة نيابته للرئيس أحمد حسن البكر، واستولى على الحُكم بشكل نهائي في 16 تموز 1979، حيث أرغَم البكر على الاستقالة، ليصبح رئيساً للجمهورية العراقية وقائداً لمجلس قيادة الثورة والقائد العام للقوات المسلحة. وأصبح قرار السفر أكثر الحاحاً بعد ما سُميّ بمجزرة الرفاق في قاعة الخلد يوم 22 تموز 1979، بعد ستة أيام فقط على استيلاء صدام على السلطة. حصلت على اذن السفر من الجامعة المستنصرية باعتبارنا في العطلة الصيفية، وذهبت الى دائرة السفر، والسفارة البريطانية لتأشيرة الفيزا، وحجزت في اول رحلة الى لندن، صباح يوم الثلاثاء المصادف 31 تموز 1979 على الخطوط الجوية العراقية ومعي اختي عالية.
لم يكن في المطار سوى طائرتنا المغادرة الى لندن في ذلك الصباح. تقدمت اختي واعطت جوازها الى مفوض السفر الذي منحها سمة الخروج بسهولة. اعطيته جوازي وكتاب الجامعة المستنصرية بالموافقة على إجازة سفر خارج العراق. دقق مفوض السفر كثيراً في جوازي وفي سجل الأسماء الممنوعة، واخيراً وجد ضالته. لم يكن جوازي موقعاً من قبل ضابط السفر في مديرية السفر والجنسية.
رمى المفوض الجواز باتجاهي، وهو نافشٌ ريشه بتحقيق انتصار عظيم، وقال لا تستطيع السفر. سألته عن السبب، أخبرني بأن جوازي غير مكتمل لخلوه من توقيع ضابط السفر. اجبته بأن هذا ليس خطئً مني، وارجو من أحد الضباط هنا ان يوقعه، لأني يجب ان اسافر. رفع المفوض نبرة صوته عليّ، مما اضطرني ان أعلي صوتي، وحدثت مشاجرة جاء على أثرها ضابط سفر برتبة ثلاثة نجوم على ما أتذكر. صاح ما هذه الضوضاء! واتجه نحوي وسألني ما المشكلة؟ اجبته، وقلت له ان اختي لا يمكن ان تسافر بمفردها، وانا مدرس جامعي في عطلة صيفية، إذا لم ارحل اليوم فسوف لن أستطيع بعد ذلك، لأن من الصعب الحصول على تذاكر الى لندن بهذه السهولة. وطلبت منه ان يوقع جوازي باعتباره ضابط سفر.
طلب مني مرارا وتكرارا ان اخفض صوتي، وان اركن الى الهدوء. رغم تشنج اعصابي، ميزتُ ان هذا الضابط ليس كغيره. انه يتعامل معي بكل احترام وإنسانية، ويخاطبني بكلمة “أستاذ”. سألته إذا كان بإمكانه ان يوقع جوازي باعتباره ضابط جوازات، اجابني بالنفي، إلا انه قال لي اطمئن، سوف نجد لك حلاً. نادى لأحد افراد الشرطة، واعطاه جوازي، وطلب منه ان يقف بباب المدير العام لجوازات المطار، والدخول عليه حال وصوله، وطلب توقيع الجواز من قبله. ذهب الشرطي وطلب الضابط الشهم من اختي ان تكف عن البكاء وان كل شيء سيكون على ما يرام.
جلستُ منتظراً ولست مطمئنا من نتيجة الأمر رغم ان الضابط كان يتكلم بمنتهى الثقة والدراية. جاء نداء الخطوط الجوية يطلب من المسافرين الى لندن ان يتفضلوا بالصعود الى الطائرة. فرغت قاعة الترانزيت ولم يبقى فيها سوى اختي، وانا على الجانب الآخر بانتظار الفرج. أصبحت القاعتين موحشتين، وترك مفوضي الجوازات مقاعدهم خلف العوازل الزجاجية. أعطت الخطوط الجوية إنذاراً للمسافرين للالتحاق فوراً. أعقب ذلك ان أعطت المضيفة “النداء الأخير”ً.
لم أستطع ان احافظ على هدوئي. وقفت وذهبت الى الضابط، وقلت له ان الطائرة ستقلع، وانا واختي مازلنا هنا. نظر اليّ نظرة مليئة بعمق لم افهمه في حينه، وقال لي: أستاذ محمد هذه الطائرة سوف لن تطير إلا وانتَ واختكَ فيها. أذهلني جوابه، لم افهمه، ربما لا زلت لهذا اليوم لا افهمه. وطلب مني بكل احترام، ان اجلس وارتاح. صدق قوله، لم تمضي سوى دقائق بعد ذلك حتى عاد الشرطي المُرسل ومعه جوازي مُوقع من قبل المدير العام لجوازات مطار بغداد الدولي (كان مازال مطار بغداد قبل ان يرثه صدام ويطلق عليه اسمه).
أخذ الضابط الجواز بيديه وفحصه كلياً، وإعطاه للمفوض بنفسه، وقال له بطريقة جدية: دقق ما شئت واختم جواز الأستاذ. وفعلاً دقق المفوض في الجواز كثيراً وهو يمسح شاربيه ذات الدلالات، وكأنه يذكرنا بأنه من الزلم أهل الشوارب وليس مفوضاً عادياً. لم يجد بُداً إلا ان يختمه ويعطيني الجواز. ذهبت الى الضابط الشهم الذي أدى أكثر من واجبه في تسهيل مهمة سفري، وقلت له والله ما اعرف كيف اشكرك. نظر اليّ تلك النظرة الثاقبة مرة أخرى، وقال لي ما لم انساه بالحرف الواحد:
“لا اخي، اشكرْ الله. الله يريدك أن تسافر”
20 شباط 2023
#محمد_حسين_النجفي #أفكار_حرة #العراق #www.afkarhurah.com
تمر هذه الأيام الذكرى التاسعة والخمسون لولادة اغنية “انت عمري”. الأغنية التي ترقبها الملايين من المستمعين العرب من الخليج الى المحيط. انها الأغنية التي اشترك ثلاث عمالقة في تكوينها، الشاعر أحمد شفيق كامل وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب وكوكب الشرق أم كلثوم. سُميّ هذا اللقاء بين العمالقة بـ “لقاء السُحاب”، والذي غنته ام كلثوم في يوم 6 شباط عام 1964. لم يكن هذا اللقاء عفوياً، وانما حثت عليه القيادة السياسية المصرية بإصرار، متمثلة بشخص الرئيس جمال عبد الناصر.
ولقد التصقت في ذهني ذاكرت هذه الأغنية بأحداث تلك الحقبة من الزمان. فبعد تسعة أشهر مظلمة ومرعبة عشناها بعد حركة 8 شباط 1963، حدثت الحركة “التصحيحية” يوم 18 تشرين ثاني من عام 1963 التي قام بها عبد السلام عارف وأخيه، بإزاحة حزب البعث من السلطة مستنداً على حجم وجسامة الجرائم التي اقترفها الحرس القومي وتكوينهم لدولة داخل الدولة. بالنسبة لي ولمعظم الشعب العراقي كانت حركة 18 تشرين، تمثل انفراجاً وارتياحاً كبيراً، لأنها ابعدت شبح الحرس القومي الذين سمّاهم عبد السلام عارف بـ “المنحرفون”.
بعد حوالي ثلاثة أشهر من هذا الحدث، غنت ام كلثوم اغنيتها الخالدة “انت عمري” وذلك مساء يوم الخميس السادس من شباط عام 1964، والذي صادف اليوم الثاني والعشرين من شهر رمضان العام الهجري 1383 . وفي هذا الجو من الفرح والابتهاج، قررنا نحن مجموعة من المراهقين السفر الى البصرة لقضاء عطلة عيد رمضان فيها. ذهبنا اربعتنا انا وابن عمتي حسن وابن خالتي ستار ورياض الطحان الى ساحة الوثبة واسقلينا باص “دك النجف”. وقبل الصعود الى السيارة مزح رياض مع السائق، وقال له: عمي ترى هذا “بادغر” اكيد هسّه تصير مشكلة من وراه، قالها وهو يشير بيده باتجاهي. اجبته مازحاً: والله عمي العكس هو الصحيح، آني لو بمكانك ما اصعده بالباص.
كانت حوالي الساعة الخامسة مساءً، حينما تحرك بنا الباص. جلسنا انا ورياض على مقعد وخلفنا جلس حسن وستار. طبعاً الطريق كله نسمع الأغنية الخالدة “انت عمري”، لأنها كانت تذاع في كل المحطات العربية. وبعد مرور أكثر من ساعة ونحن في نشوة الأغنية التي رفعتنا الى السحاب، وبعد ان اجتازينا منطقة الشيخ سعد، سمعنا دوي انفجار لأحدى الاطارات. توقف السائق طرف الطريق كي يبدل الإطار. وليس من قبيل الصدفة ان يكون الإطار الذي انفجر هو احد الأطارات الخلفية المزدزجة، وموقعه بالضبط تحت مقعدي. نظرت الى رياض نظرة تقول له: هل هذه مزحة ام امنية؟ لم يظهر السائق رد فعل عنيف إلا ان لسان حاله كان يقول: استرها علينا يا رب.
تحركنا مرة ثانية وراح الشر والحمد لله. وقبل وصولنا الى منطقة علي الشرجي، وكنا نصف نائمين حدث انفجار آخر ايقظ النائمين وافزع الصاحين. ولم تكن مفاجئة للسائق او لنا، حيث ان الإطار الذي انفجر هو تؤم الأطار الذي انفجر قبله، وموقعه تحت مقعد رياض. نزل الجميع من السيارة وكان البرد قارصاً ونحن في منطقة غير مسكونة وفي حدود الساعة الثامنة مساءً. نظر السائق الينا نظرة غضب لا مزاح فيها. وبما انها الإطار الداخلي فإن تبديله أصعب ويستغرق وقت اطول. وبدأ الركاب يتحدثون مع بعضهم خاصة، وكان حديث الساعة عن افعال الحرس القومي. حدثنا أحد الركاب وهو رئيس عرفاء في الشرط: انه في احدى السفرات من بغداد الى البصرة، اوقفتنا نقطة تفتيش تابعة للحرس القومي، سألني الحرس عن هويتي، وقلت له وانا اشير الى الخيوط السوداء التي على ساعدي، “جا شنهي هاي بوية خيوط كمنجة!!!”
تحركنا للمرة الثالثة، وقد استنفذ السائق كل الإطارات الاحتياطية. وقلنا يا لها من صدفة لعينة، مزحنا وإذا بالمزاح يتحول الى حقيقة. وحدث ما لا يمكن ان يحدث حتى في الأفلام، انفجر الإطار الاحتياط المبدل الذي موقعه تحت مقعدي بالضبط. هذه المرة خفنا من ردة فعل السائق ومساعده. قالها السائق بصراحة: اخوان ما عندي اطار احتياط. حاولوا توصلون الى مدينة العمارة بالركوب مع السيارات العابرة. توقف بك اب ليسأل ما الذي حدث. طلبنا الصعود معه الى مدينة العمارة. اصعدوا بالخلف!!! صعدنا وامرنا لله. البرد قارص، والهواء يلطم وجوهنا كأنه يقصد الأذى. كان هناك جادر في ارضية البك اب. وضعناه على رؤوسنا وكل منا لديه راديو ترانزستر، وضعه على اذنه ليستمع الى انت عمري، ويسرح مع السحاب، ولم نفق إلا ونحن امام فندق في مدينة العمارة.
أستيقضنا متعبين من البرد الذي نخر عِظامنا ونحن في حوض البك أب سابحين في احلام اغنية انت عمري. اكملنا سفرنا الى مدينة البصرة وذهبنا الى سوق العشار وهناك عثرنا على فندق مناسب لأربعتنا. وصلنا قبل افطار آخر يوم من رمضان. كان صاحب الفندق رجل وقور يلبس الملابس التقليدية، صاية وعقال. جلب انتباهي ان هناك صورة وسط الصالة خلف مكتب التسجيل للسيد محسن الحكيم. كانت سُفرة الإفطار جاهزة بانتظار موعد الأذان. أُعطينا غرفة ذات اربعة اسرة، والحمام خارج الغرفة ومشترك. لقد جئنا الى البصرة كي نحتفل ونخرج عن المألوف، وكي نترك ذكرى لا تُنسى ولا تنمحي من ذاكرتنا. قررنا ان نشرب الخمر لأول مرة في حياتنا. ذهب رياض وحسن الى السوق وابتاعوا لنا سكائر روثمان ونبيذ من صناعة سهل نينوى رديء النوعية، لا بل رديء جداً. اما المزة، فكانت تفاح وبرتقال. لا أدري من كتب هذه الوصفة!! ولكن هذا ما كان. المهم جاء النبيذ وصدح صوت الست، وبدأنا نشرب ونشرب ونحن جالسين كل على فراشه. وسبحنا في فضاء مليء بالأفراح، عيد رمضان، التخلص من الحرس القومي، انت عمري، واردئ نبيذ في السوق مع أكثر المزات الغير مناسبة اطلاقاً.
ونحن في تلك النشوة وإذا بأحدنا بدأ في “الاسترجاع” على الزولية التي تتوسط الغرفة. بدأ الكل يضحك عليه، الى ان تبعه الثاني والثالث. اما انا فبدأ رأسي يدور. توقفت عن الأكل والشرب والكلام. بدأت أفكر ان خارج هذه الغرفة رجل متدين، ونحن زمرة مراهقين لم نحسن التصرف، ووووو واستيقظت صباحاً على رائحة عطور الاسترجاع وبحيرة ذات منظر مقزز من صنعنا. ما العمل؟ استعدينا للخروج من الغرفة بشكل جماعي، آملين ان لا يرانا الحجي. ذهبت الى فراش الفندق، واعطيته ربع دينار، وقلت له: الله يخليك عمي، استر علينا، نظف الغرفة ولا تخلي الحجي يعرف بالموضوع.
رجعنا مساءً وكانت الغرفة نظيفة، وقررنا ان لا نقترب لهذا المنكر هنا مرة اخرى. ولكن ما الذي سنقوم به هذه الليلة كي يسجلها التاريخ لنا. اقترح أحدنا ان نذهب الى ملهى ليلي. كيف واعمارنا ما بين الخامسة عشر والسابعة عشر! قال رياض لا عليكم نذهب ونرى. وفعلاً كانت مغامرة الليلة الثانية الذهاب الى الملهى. قطعنا تذاكر للدخول للملهى، ودخلنا دون اشكال. وإذا بنا نرى أنفسنا وسط العديد من النساء الغانيات الجميلات، نستنشق عطور وعطور وعطور. ملابس زاهية تغطي او لا تغطي اجساد شبه عارية. احولت اعيننا من التحدق على هذه وعلى تلك، وعلى تلك النهود وذاك الزند والعيون والجفون. اننا في بحر مسحور ومسكون بملائكة الليل في جو مبهج ومثير، لا بل مثير جداً. اصابنا دوار مثل دوار النبيذ الرديء، إلا انه دوار من الأندهاش. دوار من دوران العيون دون توقف ودون ان نعلم ما الذي يحدث حولنا. جلسنا وبدأ البرنامج براقصات على المسرح، وموسيقى وضجيج، ودخان وعطور نسائية ودخان، ودوران ودوران.
يوم عودتنا كان هادئ وجميل. تمشينا على شط العشار. ركبنا أحد الزوارق في شط العرب، وذهبنا الى مطعم في سوق العشار لنأكل السمك الزبيدي على التمن. يا لها من اكلة مازال طعمها في فمنا رغم تقادم السنين. ذهبنا عصراً الى كراج بغداد وركبنا الباص. حذرت رياض ان لا يمزح هذه المرة، وفعلاً التزم السكون. وكان من المفروض ان نصل الى بغداد بحدود منتصف الليل. إلا ان القدر قرر ان يعيد نفسه. انفجر الإطار الأول ثم الثاني. ولم يكن لدى السائق سوى إطار احتياطي واحد. لذا قرر ان يسير بسرعة خمسة كيلومتر في الساعة، وبذلك وصلنا بغداد فجراً في الساعة الخامسة صباحاً سالمين غانمين. كانت سفرة من العمر تمتعنا بها وبسماع الأغنية التي لا زلنا نسمعها ليومنا هذا: “انت عمري”.
ما زلنا نستيقظ في عز نومنا مفزوعين، رغم مرور ستين عاماً على ما تعرضنا له وما شاهدناه وما سمعنا عنه من جرائم تعذيب واغتصاب وتسلية بقتل الآخرين الذين هم مواطنون من نفس الشعب ومولودين على نفس التربة. تسعة أشهر سوداء مقيته ابتدأت يوم الجمعة 8 شباط 1963، المصادف الرابع عشر من رمضان من ذلك العام اللعين. إنه اليوم الذي اغتيلت فيه ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 وسُفكت دماء قادتها ومناصريها. انه اليوم الذي وجدت فيه السلطة المرتدة الخائنة إن قوى الأمن والشرطة والمخابرات غير كافية لاعتقال الآلاف من الشباب. لذلك جندوا مؤازريهم، ووضعوا على زنودهم يافطات عار مكتوب عليها (ح. ق.) رمزاً لتسمية (حرس قومي)، يافطات مكتسبة من الحركة النازية في المانيا والفاشست في إيطاليا. سلحوهم بغدارات بورسعيد التي هربتها لهم مصر عن طريق سوريا كي تستخدم لإرجاع عجلة التاريخ الى الوراء بعد ان شهد العراق تقدماً اقتصاديا وانفتاحا اجتماعيا خلال أربع سنوات من عمر الجمهورية الفتية.
حملةٌ شعواء منظمة مسبقاً كي ينفذها الحرس القومي نيابة عن المخابرات الأجنبية. فبدوءا من الساعة الأولى من اليوم الأول باغتيال قائد القوة الجوية الشهيد جلال جعفر الأوقاتي المعروف بوطنيته ونزاهته وشهامته. وبدوءا بقصف مقر وزارة الدفاع حيث دافع ابطال الانضباط العسكري بقيادة آمرهم عبد الكريم الجدة الذي استشهد اثناء القتال. واستشهد المرافق الأقدم وصفي طاهر الذي كان مجمداً في بيته، إلا انه التحق واستشهد دفاعاً عن الثورة التي آمن بها. وهكذا تمٍ اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم والعقيد فاضل عباس المهداوي والزعيم طه الشيخ احمد والملازم كنعان خليل حداد دون محاكمة في مقر الإذاعة والتلفزيون وهم جالسين على كراسي الموسيقيين، ونشروا صورهم في التلفاز كي يُرهبوا الوطنيين في الجيش العراقي. ولم يضيعوا الوقت، فباشروا بغزو المصانع والمدارس والدوائر والحارات ليجمعوا كل مواطن عُرف بوطنيته.
ولما لم يجدوا أماكن تكفي لتجميع المعتقلين، حولوا النوادي الرياضية الى مراكز اعتقال وتحقيق وتعذيب وقتل. وليس نادي النهضة الرياضي في الكرادة الشرقية والنادي الأولمبي في الأعظمية وملعب الإدارة المحلية في المنصور إلا نماذج تشهد على ما نقول. وحينما امتلأت النوادي الرياضية، سيطروا على بيوت سكنية وحولوها الى مقرات حرس قومي، منها ما هو علني ومكشوف للعامة، ومنها ما هو سري ومخصص للتحقيقات التي تؤدي الى نهايات فاجعة. أمثلة على ذلك، بيوت استخدمت سراً للتحقيق في منطقة البو شجاع في الكرادة الشرقية، ومنها ما عُرف للشعب رغم عدم رسميته مثل “قصر النهاية” الذي ارتكبت به أبشع جرائم التعذيب والقتل، مما يندى لها جبين الإنسانية. جرائم لم يسبق ان قام بمثلها حتى جستابو هتلر أو فاشست موسوليني.
هذه الجرائم التي ارتكبت، معروف جُناتها، ولكنها مازالت تنتظر من يحقق فيها ويحاسب مرتكبيها، حتى وإن كان معظمهم قد فارق الحياة، لأحقاق حق من أستشهد على ايدي هؤلاء المجرمين، وليكونوا عبرة للتاريخ. مُجرمون لازالت أسمائهم ترن في آذاننا، أمثال: منذر الونداوي، نجاة الصافي، عمار علوش، تحسين معلة، خالد طبرة، ناظم كزار، علي صالح السعدي، حازم جواد، طالب شبيب، أبو طالب الهاشمي، محسن الشيخ راضي، أحمد العزاوي (أبو الجبن)، علي رضا، سعدون شاكر، وغيرهم كثيرون في كل مدينة كبيرة وصغيرة في عموم العراق.
تسعة أشهر مكثفة في جرائم القتل والتعذيب والقاء الشرفاء في المعتقلات والسجون التي اكتظت بهم. سجنوا وفصلوا من وظائفهم خيرة الكادر الإداري والفني والتعليمي. اعتقلوا عبد الجبار عبد الله القامة العلمية العراقية، وعذبوا حتى الممات طبيب الأطفال الدكتور محمد الجلبي، ورموا خيرة الأدباء والشعراء في نقرة السلمان سيئة الصيت ومنهم ناظم السماوي ومظفر النواب. وبدأت اول هجرة للعقول الثقافية والعلمية الوطنية لخارج العراق، وامتلأت السعودية واليمن والجزائر وليبيا وانكلترا والدول الإسكندنافية بتلك العقول النيرة التي لم يسمحوا لها ان تخدم وطنها. لذلك كله يجب ان لا ننسى ما حدث قبل ستين عاماً على ارض الرافدين التي خضبتها دماء الشرفاء على ايدي مجرمين تلك الحقبة من الزمن.
#عبد_ الكريم_ قاسم #14_رمضان_1963 #8_شباط_1963 الحرس_القومي حزب_البعث
تقديم كتاب المناضل الصغير
الدكتور محمد عبد الرضا شياع
“لقد تطوّع إلى حمل رسالة سلام بصحبة الذين يكبرونه سناً، ولا يتقدّمون عليه إيماناً بحرية الإنسان وعيشه الرغيد، فاقتيد إلى المعتقل السياسي دون مراعاة عمره، عومل مثل ما عومل رفاقه الكبار، وعندما سنحت له فرصة مغادرة المعتقل بتدخل، متشفعين بحداثة سنه، قدّم مقاربة مغايرة تليق بمناضل صغير، يعلّم الكبار الثبات أمام غضبة السلطة، وقبضة السجّان. …”
لقراءة التقديم، اضغط على الرابط ادناه:
تقديم كتاب المناضل الصغير

الكتاب متوفر في دار أهوار شارع المتنبي، مجمع الميالي
Kindale كذلك متوفر على تطبيق كندل
قراءة في كتاب ” المناضل الصغير” بقلم: نجاح يوسف
كما نشرت في موقع الأتحاد الديمقراطي العراقي، ميشكان، الولايات المتحدة الأمريكية
“أجد من الضروري في ظل الظروف الحالية التي يعيشها الوطن والشعب العراقي، ان يقرأ الجيل الجديد هذا الكتاب، ويتمعن بأحداثه والتعلم من دروسه ….”
لقراءة المقالة اضغط على الرابط ادناه:
قراءة في كتاب المناضل الصغير

الكتاب متوفر في دار أهوار شارع المتنبي، مجمع الميالي
Kindale كذلك متوفر على تطبيق كندل
مدخل لقراءة كتاب المناضل الصغير
عقيل عبود
كما نُشر في صحيفة المُثقف العدد (5986) 25-01-2023
“هنالك مع حقبة من السنين لم تزل تداعياتها، فقد العراق خيرة أبناءه، ثمناً لعقول لم يتسن لها الطريق لأن تحمل مشعل الحرية ….”
لقراءة المقالة اضغط على الرابط ادناه:
قراءة في كتاب المناضل الصغير

الكتاب متوفر في دار أهوار شارع المتنبي، مجمع الميالي
Kindale كذلك متوفر على تطبيق كندل
تعتبر الكرادة الشرقية من بين اهم ضواحي العاصمة بغداد من حيث تعداد النفوس والمساحة الجغرافية والتنوع السكاني في أعوام الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن العشرين. إن اهم ما يميزها هو كونها شبه جزيرة يلتف حولها نهر دجلة العظيم من ثلاث جهات. كذلك كورنيش شارع ابي نؤأس ومقاهيه الجميلة والسمك المسكوف وبهجة وشعبية الكرادة داخل، وروعة ونظافة الكرادة خارج، وتحرر وحداثة عرصات الهندية وأناقة وهدوء منطقة المسبح.
كانت الكرادة الشرقية تحوي مجتمعات راقية ومجتمعات متدنية في آن واحد. تحوي على العديد من الجوامع والحسينيات ومنها جامع التميمي وحسينية مباركة وحسينية “عبد الرسول علي” التي كان الشيخ الوائلي يؤمها في العشرة الأيام الأولى من شهر محرم الحرام وعشرة ايام من شهر رمضان. كان شارع ابي نؤآس الذي يبدأ من الباب الشرقي وينتهي في شارع الكنيسة (البوليسخانة) آن ذاك قبل ان يتم تكملته ليصل الى الجسر المعلق ثم ليصل الى الجادرية. كان شارع ابي نؤأس مركزاً سياحياً وترفيهياً لعموم أهالي بغداد، ومركزاً سياحياً لزوار بغداد من المحافظات الأخرى او ضيوف العراق الأجانب، حيث تنتشر على امتداده العديد من الفنادق والمطاعم والمقاهي ومحلات الشرب التي يرتادها الرجال فقط في ذلك الحين، ومنها مقهى الحدباء لصاحبها “زناد” الذي كانت مقهاه سابقاً في البتاوين محل سينما اطلس حالياً، ولديه مقهى في نهاية سوق التجار وعلى ضفاف نهر دجلة. وفي منتصف الستينات افتتحت امانة العاصمة ثلاث مقاهي جميلة جداً هي ثلاثية مقاهي الصفراء والخضراء والحمراء.
كذلك كانت الكرادة مركزاً للعديد من المثقفين والسياسين المعروفين، ومنهم الدكتور ابراهيم كبة وزير الأقتصاد في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم والذي سُميّ الشارع الذي كان يسكنه بأسم شارع الوزير. كذلك سكن الكرادة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري ومؤرخ الوزارات العراقية الكاتب السيد عبد الرزاق الحسني واستاذ القانون الدولي الدكتور محمد علي الدقاق والدكتور الجراح عبد المجيد حسين مؤسس مستشفى عبد المجيد حسين، والتجار المعروفين عبد الرسول علي ورضا علوان وجابر مهدي البزاز. يوجد في الكرادة العديد من عيادات الاطباء المعروفين ومنهمم صاحب علش وصادق ابو التمن وعليم حسون. كذلك العديد من المستشفيات ذات السمعة العالية مثل مستشفى الراهبات في منطقة أرخيته ومستشفى الأمام في منطقة أبو قلام ومستشفى عبد المجيد حسين في البو شجاع.
وفي تلك الأعوام المفصلية في بداية الستينات بدأت الأحداث في العراق تأخذ منحى معاكس. حيث تحول الصراع بين الأفكار والبدائل السياسية الى صراعات دموية سُفكت فيها دماء الشباب السياسين المتخاصمين، وكانت حصة الأسد في الضحايا من نصيب اليساريين خاصة من سكنة الموصل، مما جعل سفك الدماء بشكل جماعي بعد حركة 8 شباط 1963 المشؤومة، امراً استمرارياً لما حدث من قبل. وفي نفس الوقت بدأت الدول الخارجية تتدخل بشؤون العراق وخاصة الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا)، والدول الغربية متمثلةً ببريطانيا وامريكا. إن ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، لم تكن إنقلاباً عسكرياً لتغيير من هُم في سدة الحكم، وانما كانت حركة ثورية تنشد التغيير الجذري في الشؤون السياسية والأقتصادية والأجتماعية. وعليه اتخذت الثورة خطوات ضربت بها مراكز نفوذ تقليدية في الداخل، وحجمت مصالح الشركات الأجنبية المرتبطة بالخارج. ومن بين هذه الخطوات وأهمها كان قانون الأصلاح الزراعي، وقانون الأحوال الشخصية. وهذين القانونين الحقا الضرر بمصالح ونفوذ رجال الدين الذين يُمولون من قبل رؤوساء العشائر، وهم في معظم الأحيان مُلاك أكبر وأخصب الأراضي الزراعية، التي استولوا عليها أثناء حقبة الدولة العثمانية والعهد الملكي. كذلك فعل قانون الأحوال الشخصية، حيث نظم هذا القانون علاقات الزواج والطلاق والأرث بما يضمن حقوق أفضل المرأة في الأرث ويرفع من شأن دورها في الزواج والطلاق.
وبذلك انقسم الشعب العراقي بين مؤيد للزعيم وبين معادي له. يضم الفريق الأول ما لايقل عن 80% من الشعب العراقي خاصة الفقراء والعمال والفلاحين والكسبة، وسياسياً الشيوعيين وقسم من الحزب الوطني الديمقراطي. ويضم الفريق الثاني البعثيين والناصرين، وتضامن معهم بعض رجال الدين والأقطاعيين الذين تضررت مصالهم الشخصية، مع اسناد خارجي قوي جداً. وبذلك ابتدأت سلسلة المؤآمرات الواحدة تلو الأخرى، من إنشقاق عبد السلام عارف ومطالبته بالوحدة الفورية مع مصر وسوريا بقيادة جمال عبد الناصر دون قيد أو شرط، ثم حركة السياسي المخضرم رشيد عالي الكيلاني، ثم حركة الشواف في الموصل والأحداث التي تلتها، واحداث كركوك الدموية بين الأكراد والتركمان، ومحاولة اغتيال الزعيم في شارع الرشيد.
كان لهذه الأحداث ابعاد سياسية واجتماعية أثرت على علاقة الجيران بعضهم ببعض، وعلاقات الصداقة في المحلة وفي المدرسة. وبدأ الكل يفكر اين موقعه واين موقع الجيران والأقارب والأصدقاء من ذلك. وبدأت تتركز معظم الحوارات في الدوائر الحكومية، والمتاجر التجارية، والمدارس والجامعات، وفي البيوت حول السياسية. وادى ذلك الى تحول بعض الصداقات الى عداوات، والى انفضاض بعض المجالس بالصياح والغضب وأحياناً الأشتباك بالأيدي، هذا يدافع عن الزعيم وذلك يحب جمال عبد الناصر ويريد الوحدة مع مصر. وكانت محاكمات المهداوي (محكمة الشعب الخاصة) تؤجج هذا الصراع، لأنها كانت تُنقل حية عبر شاشات التلفزيون الذي كان الجميع يلتصقون به من اصغر فرد في العائلة حتى اكبرها. واتذكر جيداً ان أبي أشترى التلفزيون وادخله في بيتنا، كي يشاهد محكمة الشعب التي ابتدأت بمحاكمة رجال العهد البائد (العهد الملكي) امثال بهجت العطية وسعيد قزاز. ثم محاكمة عبد السلام عارف، وكانت اشهرها محاكمة ناظم الطبقجلي، ومن ثمّ المشتركين بمحاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في شارع الرشيد.
ادى انشطار الشارع العراقي الى قسمين رئيسين الأول الزعيم والشيوعيين من جهة، والثاني البعثيين والقوميين من جهة اخرى، الى مصدامات دموية، ومنها احداث كركوك في يوم الأحتفال الأول بذكرى 14 تموز 1959، مما ادى الى اراقة الدماء بين الأكراد والتركمان والتي استغلتها القوى المعادية للثورة وتلبيسها برقبة الشيوعيين. وانعكس ذلك في خطاب الزعيم حينما افتتح كنيسة مار يوسف في 17 تموز 1959 في الكرادة الشرقية، والقى كلمة ابدى فيها غضبه على الشيوعيين والأكراد واسماهم بـ “الفوضويون”. استغلت اجهزة الأمن والمخابرات التي كانت مُسيطر عليها من قبل القوى المناوئة للثورة، وقامت بحملة اعتقالات واسعة، في الموصل وكركوك وبغداد، وعلى وجه الخصوص للقيادات العمالية والفلاحية والناشطين المعروفين. بعد هذا الخطاب انشطر العراق الى ثلاثة اقسام، الزعيم والقاسميين والمؤيدين له وهم عموم الناس، ولكن خصوصاً الفقراء الذين رعاهم ورفع من مستواهم المعاشي والأجتماعي، القسم الآخر هم الشيوعيين الذين ابعدهم الزعيم عن دائرته وابعدهم عن المناصب الحساسة في اجهزة الدولة وخاصة الجيش، إلا انهم أستمروا في ولائهم لثورة تموز والدفاع عن مكاسبها. اما القسم الثالث فهم البعثيون والقوميون والذين اعتمدوا بتقوية قواهم على اسناد من الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) والتعاون مع القوى التي تضررت من الثورة، وهم جماعة العهد الملكي والأقطاعيين والأغوات الأكراد المتضررين من قانون الأصلاح الزراعي، ورجال الدين الذين سحب قانون الأحوال الشخصية البساط من تحت اقدامهم، عزز ذلك فتوى الراحل السيد محسن الحكيم من أن “الشيوعية كفر وألحاد”.
#العراق #عبد_الكريم_قاسم #حزب_البعث_العربي_الأشتراكي #السيد_محسن_الحكيم
تغيرّ النظام السياسي والاقتصادي في العراق والعديد من دول الشرق الأوسط ليتجه نحو اضمحلال الانفراد بالسلطة ونحو إطلاق الحريات التجارية وتقليص دور وهيمنة القطاع العام، وتشجيع الخصخصة. وقد أدى ذلك الى فتح الأسواق أمام فرص جديدة وتحديات معقدة مرتبطة بالمنافسة الحادة وبتقلبات السوق العالمية واتساع آثار العولمة. إن ما حدث خلال الثلاثين عامًا المنصرمة من تطورات وابتكارات في السلع والخدمات قد أذهلنا ولازال يبهرنا. تطور استعمال الحاسوب وانتشارها، وتوفرالتلفون المحمول الذكي متعدد الخِدْمَات، واستخدام بطاقات الائتمان بدل استخدام العملة للشراء، والتسوق عن طريق المواقع الالكترونية. كل هذه التغيرات تطلبت مني ان اعيد تأليف كتابي “اسس التسويق الحديث” بعد ان كتبتُ الطبعة الأولى قبل اكثر من خمسين عاماً. ولما لم تكن الغاية من هذا الجهد تجارية قررت نشرهُ إلكترونيا من خلال موقعي ليكون متوفراً للراغبين بقراءته مجانًا. وإذا كانت الطبعة الأولي موجهة إلى طلبة كُلِّيَّة الإدارة والاقتصاد في جامعات ومعاهد العراق، فإن هذه الطبعة المنقحة ستكون موجهة الى رجال الأعمال في الاقتصاد المعاصر، إضافة إلى طلبة الإدارة والاقتصاد. وستكون هذه الطبعة مناسبة للقارئ في عموم الوطن العربي ولا تقتصر على العراق فقط.
للقراءة اضغط على الرابط ادناه:
https://mhalnajafi.org/wp-content/uploads/اسس-التسويق-الحديث-3.pdf
“اخترق المناضلون المديات، منهم من ذهب باحثاً عن ملاذ يبث أفكاره من هناك، يحمل مشعل الحرية والتحرر، مبتعدين عن إراقة الدماء، ومنهم من سحقتهم آلة السلطة الشمولية سحقاً، عانقوا الموت مبتسمين ابتسامة العاشق لمعشوقته، مواجهين حرارة الموت وظلم الظالم، منتظرين ضوء الفجر وإن كان بعيداً. نقرأ في (المناضل الصغير) للمفكّر الحر محمد حسين النجفي آلام شعب وآماله أفراداً وجماعات، بوصفه سرديّة تطرح أسئلة على الذات والآخر بالقدر الذي تجيب فيه عن الأسئلة القلقة، الكتاب مسيرة تاريخ.”
الدكتور محمد عبدالرضا شياع، كاتب وأستاذ جامعي عراقي
لقراءة الكتاب اضغط على الرابط ادناه:
https://mhalnajafi.org/wp-content/uploads/PDF-المناضل-الصغير.pdf
كما نُشرت في صحيفة المثقف الألكترونية العدد (5850) بتاريخ 11 أيلول 2022
اضطررت لقضاء معظم أيام عام 1982 في مدينة الإسكندرية المصرية، عروس البحر الأبيض المتوسط. المدينة الجميلة بعمارتها المتأثرة بالذوق والنكهة الإيطالية واليونانية، وبمناخها المعتدل صيفاً وشتاءً وبطيبة أهلها وبسعة شواطئها التي لا نهاية لها. كنت اعاني من ظروف صعبة جداً، احتضنني حينها مجموعة من الأصدقاء العراقيين والمصريين، بطريقة لا يمكن نسيانها. سكنت في عمارة “ستانلي” في شارع الجيش وهو شارع الكورنيش البحري. وعمارة ستانلي التي تشرف على البحر مشهورة جداً، لأنها متميزة في تصميمها ولونها الأحمر، ولأن مالكها هو الممثلة المصرية ماجدة (ماجدة السلمي). كان لديّ الكثير من الوقت اقضيه بمفردي خاصة في الصباح حينما يكون معظم الأصدقاء في أعمالهم. صنعت لنفسي برنامجاً يومياً. اركب سيارتي واذهب الى بائع صحف في محطة الرمل وسط البلد، اقلب بعض الكتب، واشتري بعض الصحف والمجلات، ثم اذهب الى عمارة ستانلي كي اركن العربية (السيارة)، واعبر شارع الكورنيش الى فندق سان جيوفاني لأجلس في المقهى الساحلي. المكان هادئ جداً حتى في صباحات أيام الصيف. اجلس وحيداً، عفواً لست وحيداً لأني بصحبة صحيفتين او ثلاث وبعض المجلات وكتاب لأنيس منصور: في صالون العقاد كانت لنا أيام، الذي استمتعت بقراءته كثيراً.
عثرت في صحيفة الأهرام على سلسلة مقالات بعنوان: علي: إمام المتقين، للكاتب الغني عن التعريف عبد الرحمن الشرقاوي. وكانت ترد للصحيفة متابعة مكثفة من القراء. يتهم أحدهم الشرقاوي بأنه تشيع ويحاول في مقالاته نشر الفكر الشيعي، ويتهمه الآخر من انه شيوعي وينشر أفكاراً شيوعية من خلال نشره لأفكار وسيرة الأمام علي (ع). كان الشرقاوي يرد على هذه الادعاءات وغيرها وتنشرها جميعاً صحيفة الأهرام. تحولت هذه المقالات لاحقاً الى كتاب تحت نفس العنوان.
وذات يوم وانا جالس في مقهى الكورنيش، لاحظت شخصاً جالساً بمفرده امامي بزاوية 45 درجة. اراه جيداً لكنه لا يراني. جالساً بمفرده يشرب قهوته دون استعجال، لابساً نظارات سوداء غامقة. عرفته للتو، انه الأديب والكاتب القصصي نجيب محفوظ. أنا ونجيب محفوظ نشرب قهوتنا في نفس الوقت ونفس المكان ونفس الزمان، إنها حدث كبير، وإن كان كل واحد منا يجلس بمفرده وعلى طاولته. تركت الصحف والمجلات، وأخذت اراقب الكبير نجيب محفوظ الذي قرأت معظم كتبه، وشاهدتُ معظم أفلامه، واعجبت بها جميعا دون استثناء. يجلس دون حراك، لا يلتفت يميناً او شمالا. عيناه على الأفق البعيد، ربما البعيد جداً كي يوصل ناظريه لأفق يتلاحم به ازرقان هما سماء وبحر اسكندرية.
فكرت ان اذهب اليه وأحييه واعرفه بنفسي واعجابي لأعماله. ربما سوف يدعوني لشرب القهوة معاً ويسمح لي بالحديث معه عن العراق وشعب العراق واحياء بغداد القديمة وعن احياء وازقة النجف الأشرف. احدثه عما يُحب، عن الأحياء الشعبية في بغداد، عن الدهانة وعكد الاكراد والشورجة وعكد النصارى والمربعة وسوق حنون ومحلة الفضل وباب الشيخ وأسواق الصدرية والشواكة وغيرها الكثير. محلات شعبية جرت بها احداث وقصص مشابهه لما حدث في خان الخليلي وفي ثلاثيته الرائعة: بين قصرين، والسكرية، وقصر الشوق. سأحدثه الكثير الكثير وسأقنعه ان يكتب عن احياء بغداد، عن فاتناتها وفتواتها، وباشواتها وبؤسائها. سأحدثه عما يحدث في دهاليز السلطات، وسأقول له ان أدباءنا مشغولين بأدب المديح وإرضاء الحكام، كي يبعثوا مجد الجواري في صالات خلفاء هذا الزمان، وتحولوا بحرفية متقنة من مُصلحين سطحيين الى وعاظ متميزين للسلاطين. سأقول له نحن بحاجة ماسة اليك كي تكتب قصتنا ومعاناتنا وبؤسنا وقلة حيلتنا. وشردتُ في التفكير كثيرا واستغرقت في عالم كدتُ على وشك ان اصدقه. ولكني حينما افقت كان قد دفع اديبنا الحساب ورحل. اعدتُ الكرة في اليوم الثاني والثالث، ولم أجرأ للتحدث اليه. احسست من انني سأكون متطفلاً عليه، اكسر الهدوء الذي يتمتع به والخيال الذي يسبح في اجواءه. انه قادم هنا للتخلص من حر القاهرة وصخبها، كي ينعم بالراحة والهدوء ويستجمع افكاراً لصور اجتماعية كي يكتب عنها للبشرية على شكل قصة واقعية عن أحياء مصر الشعبية وما يدور فيها من حب وغرام وهيام، وخيانة وغدر وانتقام، فكيف لي ان أعطله عن عمل ابداعيٌ فذ كهذا ولو للحظات.
خاب ظني في اليوم الرابع، لأني ذهبت لنفس المكان ولم أراه. فقررت ان اشرب قهوتي مع اديبين كبيرتين هما أنيس منصور وعباس محمود العقاد صاحب “العبقريات”. ففتحت كتاب: في صالون العقاد كانت لنا أيام، وانغمست في قراءة احداث وحوارات مثيرة كما يصفها أنيس منصور، دون ان أدير رأسي يميناً او شمالا، ودون ان يلفت اهتمامي أي كان سواء أكان من البشر او الجان.
7 أيلول 2022
#اسكندرية #ستانلي #نجيب_محفوظ #أنيس_منصور #عباس_محمود_العقاد
#محطة_ الرمل #www.mhalnajafi.org #www.afkarhurah.com