الحرمان

كما نُشرت في صحيفة المثقف بتاريخ 14 كانون الثاني 2023
الحرمان

وضعتْ يدها اليمنى على خاصرته وسحبته الى جانبها وبصيغة عتاب بين احباب، قالت له: “تاليها وياك؟”، حركة مفاجئة لم يتوقعها ابن الجيران، ولم تخطر له على بال، ارتعش جسده دون هوادة، وارتخت قدماه ولم يستطع تثبيتهما على الأرض.  كان ذلك في أحد ايام رمضان من ستينات القرن الماضي حينما فاجأته بنت الجيران، اثناء وجوده في مطبخ البيت يمارس شيء يحبه جداً وهو المساعدة في تجهيز فطور رمضان.

سمعت بنت الجيران خطوات اقدام أم البيت قادمة الى المطبخ، فانسحبت وتركت البيت بعد ان قضت حاجة مفتعلة معها. كان نساء الجيران في الاحياء الشعبية يتزاورون كثيراً، ويمونون على بعضهم البعض عند الاحتياج.  تركته وهو في منتهى الذهول، مرعوباً ولكن في غاية الفرح والسرور. شيء هام وغير متوقع قد حدث سيكون له أثر كبير على مجريات حياته. كان في بداية المراهقة لم يتجاوز عمره الاربعة عشر عاماً بينما كانت بنت الجيران أكبر منه سناً فيما لا يقل عن ثلاث او أربع سنوات، مكتملة الانوثة جميلة نحيلة وذات شعر طويل وعيون واسعة ذات نظرة حادة متلهفة لشيء ما.

 حينما جذبته اليها لم يستطع حتى ان يستدير بوجهه كي يقابلها او ان يمد يديه الى مفاتن جسمها او ان يحضنها كما حضنته. لم يدم ذلك سوى لحظات معدودة، بقي اثناءها متبسمراً في ارضه، إلا انها لحظات مٌزلزلة ارتجت لها كل اوصال مفاصله. انه الحدث الذي نقل ابناء الجيران من الطفولة البريئة الى النضوج الغريزي المبكر، ومن الخيال الى الواقع الملموس، ومن التمني الى التوقع المتكرر، ومن المجهول في عالم الألفة بين الجنسين الى ممارسة يومية لنوع من انواعه.

 كان ذلك اليوم هو آخر يوم يقضيه صاحبنا صائماً، رغم انه ظل متظاهراً من انه صائم. كيف يصوم ويصلي وهو مستغرق بأفكار واحلام تثير غريزته وفضوله الطبيعي وغير الطبيعي. كيف يصوم واصبحت زياراتها المتحججة بأنها تريد ملح للطبخ او انها تريد تصريف ربع دينار كي تعطي اخوتها مصروفهم اليومي، او انها طبخت اكلة شهية واستذكرت جيرانها بحصة منها.

 كانت تأتي بهذه الحجج المفتعلة وهي تعلم انه في البيت وليس في المدرسة حيث كان ما يزال طالباً في المتوسطة آنذاك، لم تكلمه بعد تلك المقولة المذهلة: تاليها وياك! لأنه لم يكن هناك وقت كي يضيعانه في الكلام، كانا يخطفان لحظات العناق والقبلات الحارة على استعجال خوفاً من الاكتشاف، يسحب نفسه الى مكان ما في البيت ومعظمه كان في مدخل البيت حيث هناك باب ذات زجاج غير شفاف يفصل بين الباب الرئيسية وغرفة الجلوس من جهة وغرفة الضيوف من الجهة الأخرى، في ذلك المربع الصغير كانا يتعانقا ويتبادلان القبلات العنيفة المحرمة على استعجال وتمتد ايديهم الى اماكن مجهولة في اجسادهم لم يكونا قد اكتشفاها من قبل، يكتشفون ما استطاعوا دون كفاية، وكل مرة ينفكا بسرعة عن بعضهما قبيل الارتواء. ارتواء نهايته عطش مستديم.

 كل ذلك دون ان ينبسوا بكلمة واحدة، لم تقل له احبك ولم يقل لها ذلك، كلام لا قيمة له هنا، كان هوساً أساسه حرمان لرغبة جامحة في صدر بنت الجيران، هوت على جارهاَ فتلقفها وهوى عليها. كان حباً غريزياً بامتياز واشباع لرغبات جامحة مكبوتة بين بنت الجيران مع ابن الجيران توهجت من حرارتها الجدران ما بين بيوت الجيران.

 محمد حسين النجفي
رئيس تحرير موقع أفكار حُرة

www.mhalnajafi.org
www.afkarhurah.com

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You have successfully subscribed to the newsletter

There was an error while trying to send your request. Please try again.

أفكار حُـرة : رئيس التحرير محمد حسين النجفي will use the information you provide on this form to be in touch with you and to provide updates and marketing.