“أرتقت قدرات الحرس الجامعي بتركيزها وبحرصها الشديد،
لتكشف سرقة كانت تتم كل يوم أمام مرئ الناس وبوضح النهار”
كعادتي كل يوم أزور رئيس قسم الإدارة في الجامعة المستنصرية، حينما لا يوجد لديّ حصة تدريسية، أتحدث فيها قليلًا مع سكرتارية القسم متمثلة بالآنسة هاسميك آرتين* والآنسة هناء خليل، قبل الدخول إلى مكتب رئيس القسم الدكتور حسين الدوري للتباحث معه في العديد من الأمور، ذات ألاهتمام المشترك، ومنها نشاط لجان القسم الذي هو رئيسها بحكم منصبه وأنا عضوها ومقررها بالانتخاب، ومن بين أهم تلك اللجان لجنة المناهج الدراسية ولجنة تطوير المكتبة ومركز التدريب والتطوير الإداري للقطاع العام. كانت سكرتارية القسم تساعدنا كثيرًا في طباعة محاضر الجلسات ومقترحات تطوير المناهج والمراسلات مع العِمادة ورئاسة الجامعة. كانت كُلْيَة الإدارة والاقتصاد في النصف الثاني من سبعينات القرن المنصرم، وبالأخص قسم الإدارة يعمل كخلية نحل، حيث نظمنا دورتين تدريبيتين لإدارة التسويق الحديث، لموظفي القطاع العام التجاري، التي حققت نجاحًا باهرًا واستحسانًا من قبل المشاركين. كذلك نظمنا ندوة ثقافية في القاعة الكبرى للاحتفالات، قَدمتُ فيها محاضرة عن أهمية التسويق والإعلان التجاري للدول النامية: العراق أنموذجًا. شارك وحاور فيها معي زميل مصري ومندوب من الشركة العامة للإعلان والتوزيع، وحضرها جميع طلبة الصف الثاني إدارة الأعمال وعميد الكلية ورئيس قسم أدارة الأعمال ومعظم أعضاء الهيئة التدريسية. هنأني العميد الدكتور أحمد زبير جعاطة، الذي كان منبهرًا لنشاط لا سابقة له في الجامعة، وقال لي: أستاذ محمد، يجب أن نبعثك بأقرب فرصة لإكمال شهادة الدكتوراه**.
ولستُ مبالغًا إذا قلتُ أن سكرتارية القسم كانت تؤدي جهدًا كبيرًا في إسناد جميع نشاطات القسم، ولا سيما في موسم الامتحانات حيث يطبعون أسئلة الامتحانات بكل أمانة وإخلاص. وبدلًا من أن يحصلوا على الترقية وكتب الشكر والتقدير، يحصل العكس في معظم الأحيان. ففي يوم مُبارك من أيام مجد ألكفاءة الإدارية، ومقارعة الفساد ومنع سرقة المال العام، ارتقت قدرات وإمكانات الحرس الجامعي بتركيزها غير المعتاد وبحرصها الشديد على الممتلكات العامة، من كبس سرقة كانت تتم كل يوم أمام مرئ الناس بلا خوف ولا خجل! نعم استطاع الحرس الجامعي من أكتشاف السبب الحقيقي وراء النقص المستمر بمعدل ست وردات مع أغصانها ووريقاتهما الخضراء أسبوعيًا من حديقة الجامعة. ففي صبيحة يوم ربيعي مشرق، لاحظ احد الحرس المقدامين أن إحدى ألآنسات الجميلات المجهزة بأدوات جارحة حادة متمثلة بمقص مشحوذ من الجانبين، قطعت ست أغصان متوجة بورود حمراء تزدهر بها حدائق الجامعة المستنصرية بأعداد لا تعد ولا تحصى، تتبعها الحارس الفطن من بُعد كي لا تلاحظ الآنسة انه يُلاحقها، إلى أن وصلت إلى مكتبها، وعرف الحارس مركز عملياتها السري للغاية!
رجع هذا الحارس الحريص على المال العام إلى رئيس الحرس وأخبره بالواقعة، واقعة قطع زهور الجامعة وسرقتها، ونقلها من حدائق الجامعة إلى مزهرتين زجاجيتين إحداهما على مكتب السكرتيرة هاسميك والأخرى لتزيين مكتب رئيس القسم. رفع رئيس الحرس والحارس الأمين على زهور المسلمين تقرير تفصيلي بعنوان:
م : قاطــــــعة الزهـــــــور
كان الأمر الإداري مطالعة قانونية وإدارية مُذهلة ومُقنعة، لم تترك مجالًا للشك لدى رئاسة الجامعة المستنصرية، التي بدورها رأت من الضرورة والحكمة مفاتحة عميد كُلْيَة الإدارة والاقتصاد، الذي بدوره لم يجد سببًا مقنعًا في مجادلة كتاب قادم من الباب العالي لأعلى سلطة في الجامعة علميًا وإداريًا وأخلاقيًا، فبارك الكتاب الجامعي وبعثه إلى رئيس قسم الإدارة مشفوعًا بوشم متعارف عليهِ، “للاطّلاع واتخاذ ما يلزم رجاءً”. لم يكن رئيس القسم شخصًا نمطيًا في التعامل، لذا طلب من السكرتيرة المتفانية في عملها “هاسميك” التوقف عن قطف الثمار من بُستان المستنصر بالله والحاكم بأمره، إلا انه كان يتملك شجاعة متميزة، ولم يتخذ إجراءًا إداريًا بحقها، مناقضًا بذلك لتوصية فُرمان حُكام الزمان بـ “أتخاذ ما يلزم”. بعد ذلك تغير اسم الآنسة واصبح الكل يناديها بـ “قاطعة الزهور” بدلًا من هاسميك، وتعرض كتاب رئاسة الجامعة إلى السخرية والامتعاض في آن واحد.
محمد حسين النجفي
18 تشرين الثاني 2021
www.afkarhurah.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* لاحقًا زوجتي وشريكة حياتي. هاسميك اسم أرمني لوردة إلـ “ياسمين”.
** طبعًا لم يحصل ذلك، لأن البعثات والزمالات حتى لمنتسبي حزب البعث حصرًا.
#الجامعة_المستنصرية #محمد_حسين_النجفي #موقع_أفكار_حرة #afkarhurah.com








Leave a Reply