فخري كريم: كما عرفته شاباً

تعرفتُ على الأستاذ فخري كريم في صيف عام 1962 في الموقف العام في باب المعظم. وهذا لا يعني اننا كنا أصدقاء، إنما كنا موقوفين على نفس القضية والتي سُميت في وقتها قضية “التجارب النووية”. حينها قرر مجلس أنصار السلام في العراق ان يؤيد الحركة العالمية التي كان يقودها الفيلسوف البريطاني “برتنارد روسل” رئيس مجلس السلم العالمي، للاحتجاج على التجارب النووية بشكل عام والتي تقوم بها امريكا في صحراء نيفادا الأمريكية آن ذاك بشكل خاص. وكان لحملة برتنارد روسل هدفين اساسين هما وقف سباق التسلح النووي من خلال ايقاف التجارب النووية التي يقوم بها الشرق والغرب وما يسببه ذلك من تلوث بيئي مُستديم، وكذلك منع خطر نشوب حرب نووية بين الاتحاد السوفيتي والغرب بقيادة الولايات المتحدة، خاصة بعدما شاهد العالم أهوال وبشاعة ما حدث في هيروشيما وناكا زاكي. كانت الاحتجاجات تجري بمنتهى السهولة والحرية في عموم اوروبا الغربية وكندا واميركا، إلا ان الشباب العراقي الذي قرر المشاركة بهذه الحملة دفع ثمنها غالياً.

 وكان القرار ان تُشكل وفود تمثل جميع شرائح الشعب العراقي للذهاب للسفارة الأمريكية في بغداد في يوم الجمعة المصادف الثاني والعشرين من حزيران عام 1962، وتقديم عريضة احتجاج مكتوبة. وتهيأت مجموعة تمثل المهندسين ومنهم حامد منيب البستاني واخرى تمثل التجار ومنهم علي كرمنجي واخرى للعمال ومن بينهم النقابي مهدي حبيب واخرى للأدباء والصحفيين، وكان من بينهم الشاعر محمود عبد الريفي والصحفي مجيد الراضي وفخري كريم (صاحب مؤسسة المدى حالياً). وكانت مجموعة الطلاب برئاسة كريم الحجية وعضوية حكمت الدقاق وكاتب هذه السطور وحوالي ستة آخرين. وتجمعنا في باب المعظم قرب كلية الهندسة ودار الطلاب. وكل مجموعة ما عليها الا ان تؤجر سيارة او باص لتسليم عريضة الاحتجاج للسفارة، والرحيل بنفس الواسطة المؤجرة. ولم يكن هناك اي نية في التظاهر او الشغب او الاعتداء او اي شكل من اشكال العنف.

وصلنا الى السفارة حيث كان كل شيء هادئ وعادي. ترجلنا وبيدنا عريضة الاحتجاج كي نسلمها بشكل سلمي وحضاري الى السفير او من يمثله. وحال وصولنا بوابة السفارة وإذا بنا نفاجئ بمجموعة كبيرة من رجال الأمن العراقي بملابسهم المدنية في داخل السفارة، وهذا يعني انهم كانوا يعلمون بمجيئنا. فأما ان السفارة كانت تعلم ونسقت مع الأمن او ان الأمن لديه خبر ونسق مع السفارة. وبدئوا بالصياح والضرب بالأيادي والهراوات، وإذا بسيارات البوكس الخضراء تأتي جاهزة لاعتقالنا ونقلنا الى احدى دوائر الأمن. ونزلنا من سيارات البوكس حيث كان رجال الأمن بإنتظارنا مصطفين على جانبي الممر المؤدي للنظارة وغرف التحقيق على شكل استعداد للتشريفات. وعلى كل واحد منا ان يمشي بينهم للوصول للجانب الآخر للحجز. كان من بين الأشخاص الذين امامي كريم الحجية الذي رفض ان يطأطئ راسه فانهالوا عليه بالضرب المبرح. اما انا فكنت في عمر الرابعة عشر او الخامسة عشر ولم احلق ذقني بعد. يبدوا انهم أدركوا ذلك ولم يعتدي عليّ أحد.

 بعد ذلك وزعونا على عدة مواقف لكثرة عددنا. فرحلونا انا وحوالي خمسة عشر شخصاً الى مركز شرطة المنصور قرب ساحة سباق الخيل. وكان في هذا المركز ردهتين للموقوفين، الأولى كبيرة وذات باب من حديد مشبك اي مفتوح على الخارج للرؤيا وللتهوية. والثانية في تقديري مُعدة كموقف او زنزانة لشخص او شخصين فقط، مساحته حوالي 6 أمتار في اربعة أمتار، بابه حديد صلب لا منفذ فيها سوى شباك اعلى الباب حجمه بقدر كف اليد. وعلى الأغلب فإنه مصمم ليكون سجن انفرادي لأعتى المجرمين. المهم اختاروا لنا السجن الانفرادي ووضعونا جميعا فيه، وكان عددنا حوالي اربعة او خمسة عشر شخصاً.

وبعد عشرة ايام عجاف، وفي اليوم الأول من تموز عام 1962 تم نقلنا الى الموقف العام في باب المعظم.  وهناك التحقت مجدداً بزميلي وصديقي حكمت وكريم الحجية رئيس الوفد الطلابي وعلي الكرمنجي صديق خالي حجي كريم من سوق الشورجة. كان انتقالنا الى الموقف العام كمن ذهب من النار الى الجنة. حيث ان لكل شخص مكان ويطغ (فراش) ومراوح سقفيه وماء ودورات مياه خارج غرفة الموقف نستخدمها متى نشاء وكان لنا حمام للغسل ومطبخ للسجناء ومقره في القلعة الخامسة. كان معظم المسجونين في القلعة الخامسة والسادسة هم من الشيوعيين واليساريين واكراد من حزب البارتي المتهمين بأحداث الموصل وكركوك. وهناك التقيت بحمزة السلمان المحامي من منطقة الزوية الكرادة الشرقية والمتهم بالمشاركة في احداث الموصل والذي ظل موقوفاً مع رفاقه، لحين ردة 8 شباط 1963 حيث تم تصفيته مع المئات ممن كانوا معه وكان في مركز القيادة في الموقف بحكم مرتبته السياسية. والتقيت بصادق جعفر الفلاحي القائد العمالي النقابي المخضرم الذي كان يقدم محاضرات سياسية ثقافية والموسيقار احمد الخليل الذي لحن وغنى أفضل الأغاني للزعيم والثورة مثل اغنية هربجي كُرد وعرب رمز النضال واغنية موطني (ليس نشيد موطني) والمهندس المثقف حامد منيب البستاني وهو عم زميلي وصديقي علي طاهر منيب البستاني وصفاء الجصاني (ابن اخت الشاعر الجواهري) ولطيف الحاج (اخ عزيز الحاج)، وكليبان العبلي رئيس نقابة الميكانيك الذي كان مرحاً دائماً ومهدي حبيب العامل المثقف والناشط في نقابة عمال الخياطة، والعديد من خيرة الأدباء والشعراء والمناضلين الذين كانوا يسترجعون ذكريات السجون في سجن الحلة والكوت وبعقوبة ونكرة السلمان ايام العهد الملكي، وكأن التاريخ يعيد نفسه. ومن الغريب جداً ان كل الموقوفين كانوا من اشد المؤيدين للزعيم عبد الكريم قاسم وثورة تموز.

يتكون الموقف العام عدا السجن المركزي، من ستة قلاع، وكنا نحن في القلعة السادسة التي تتكون من ثلاثة قواوويش (قاعات كبيرة) وحمام كبير ومطبخ وحوش واسع نفرش به منادرنا في الليل. كان زميلي حكمت في القاعة الأولى وكنت في القاعة الثالثة، وكنا نتزاور كثيراً. كنت الاحظ شاباً رشيقاً وسيماً ذو عيون خضر يقف في باب القاعة الأولى، يراقب ويتابع كأنه مدير مدرسة اثناء الفرصة بين الدروس، إلا انه لا يتكلم ويبدو عليه انه غارق في التفكير او ان تفكيره شارد في مكان آخر، وربما كان مثلي يفكر ويتساءل! لماذا نحن هنا؟ وهل هذه القضية التي اعتقلنا بسببها هي قضية تستحق هذا العناء، ولماذا تعتقل السلطة مؤيديها؟ وكيف يمكن ان تكون مُعتقلاً ولا زلت مُناصراً لمن اعتقلك؟ أسئلةً لازالت الإجابة عليها تحمل اوجه متباينة، إلا انها جميعاً غير مقنعة.

 وفي حديث لي في حينها مع زميلي وصديق العمر حكمت، أخبرني ان فخري كريم حبيب زنكنة صحفي يعمل في صحيفة “اتحاد الشعب” (التي كانت مُغلقة في حينها) ومن القياديين، وأخبرني من انه كان يرعاه ونوعاً ما يحميه لأنه كان في عمر السادسة عشر فقط. وفي أحد الأيام انقطع الماء في الموقف، وإذا بفخري كريم يبادر بالسيطرة على خزين الماء الوحيد وهو “الحِب” (الكوز) وتقنين الشرب منه بالأستكان (أقداح الشاي) فقط، كي يتم استهلاكه دون إسراف من قبل الموقوفين وعددهم لا يقل عن مئة وخمسين موقوفاً في كل قلعة، لأن انقطاع المياه ربما يستمر لمدة طويلة او يكون مقصوداً. وبذلك اظهر الأستاذ فخري مبادرة قيادية تستحق التقدير.

لم ينتهي الموضوع هنا وانما السلطات البوليسية تنسى حقوق المواطنة ولا تنسى حقوقها في فرض الطاعة العمياء على مواطنيها. ففي اليوم الحادي والثلاثين من شهر تموز 1962 وبعد مرور اربعين يوماً على توقيفنا تقرر إطلاق سراحنا بكفالة واحيلت قضيتنا الى الحاكم العسكري العرفي الثاني شاكر مدحت سعود رئيس المحكمة العرفية الثانية والذي هو من اشد الحاقدين على الوطنيين والتقدميين. والسبب ان هذه القضية احيلت الى محكمة عرفية لأن العراق كان ما يزال تحت سلطة الأحكام العرفية منذ 14 تموز 1958 على الرغم من مرور أكثر من أربع سنوات على الثورة، وحُكم على المشاركين في تلك الفعالية بالسجن أحد عشر شهراً مع وقف التنفيذ في عهد عبد السلام عارف.

يأتي اسم فخري كريم ومؤسسة المدى في الأعلام بين الآونة والأخرى، ودائماً استرجع بها مشهد ذلك الشاب الوسيم الواقف بباب القاووش، الشارد ذهنياً ام الغارق في التفكير ام الحامل لهموم شعب وآلامه وآماله! فخري كريم مناضل ظل اميناً لتوجهاته، قدم أفضل نموذج للقطاع الخاص الناجح تجارياً والهادف ثقافياً، بجهده الخاص وظل مُلتزماً لأفكار اعتنقها حينما كان شاباً ووفياً لرفاق دربه الذين تفاعلوا معه طيلة السبعين عاماً من مسيرته. إنسان مثله يبقى شامخاً لا تهزه معتقلات الفاشست ولا رصاصات غدر جبانة من ظلاميين لا يريدون لنور الثقافة ان يبسط شعاعه على ربوع الوطن.

محمد حسين النجفي
رئيس تحرير موقع أفكار حُرة
29 شباط 2024

The Roses Cutter

“A brave guard noticed a beautiful lady hiding behind dark sunglasses,
began cutting roses from the university garden”

During the 1970s, the faculty of the Business Administration Department for Al-Mustansiriya University worked as a beehive. We were involved in organizing many activities and programs including the Curriculum update, Book Library development, establishing training center for the commercial public sector employees, and administering final and semifinal Exams.

Curriculum meeting 1977, Al-Mustansiriya University

 The Department Secretaries, in particular Ms. Hasmik Dertavityan* helped us a lot in typing, printing, and circulating the minutes of the sessions and printing proposals for developing curricula and correspondence with the Deanship and the University Presidency. I was particularly in constant contact with Ms. Hasmik, in the majority of these activities to complete the required  paperwork.  Instead of such hard-working employees getting a promotion and letters of appreciation and recognition, most of the time the opposite would happen.

Hasmik in her office 

On a glorious day of administrative efficiency in fighting corruption and preventing theft from public properties, the capacities and capabilities of the university security guards grew with unusual focus and determination to protect the university landscape, from mysterious thefts that were taking place every day in front of people eyes, without fear or shame! Yes, the university guards were on a mission to discover why there was a continuous shortage of roses from the university garden. It seemed that six stems of roses went missing every week. All the guards went on full alert to counter this clear and present danger.   

Luckily, on one bright spring morning, a brave guard noticed a beautiful lady hiding behind dark sunglasses, holding scissors, sharpened on both sides, who then began cutting roses from the university garden. The very smart guard followed her from a distance, so that she would not notice that he was following her. Finally, she reached her office, and the guard discovered her top-secret operations hideout!

Cutting the Roses as documented by the guard

 This guard, who is very keen to safeguard public property, report to the chief of the guards and told him about the incident. The incident of cutting and stealing university flowers, and transferring them from the university garden to two glass vases, one on the desk of the secretary Ms. Hasmik and the other to decorate the office of the head of the Business Administration department. The Chief of the Guards and the Guardian of the Flowers of the Iraqi nation submitted a detailed report entitled: 

RE: The Roses Cutter 

The memo was a very convincing legal and administrative counting of what the security guard observed, leaving no room for doubt with the Presidency of Al-Mustansiriya University, who in turn saw it as necessary and wise to approach the Dean of the College of Administration and Economics, who in turn did not find any convincing reason to argue with the memo, so he blessed it and sent it to the head of the Business Administration department, accompanied by a customary stamp:  “To review and to take suitable action, please.”  

The head of the department at that time was arrogant and brave in his own way and not a stereotypical bureaucrat person in dealing with these matters. So he asked the delegated secretary Ms. Hasmik to stop picking the fruits from the orchard of “The Sultan Garden”. But he did not take any administrative action against her, contradicting the recommendations of the rulers of the time. After that, the lady’s name was changed and everyone started calling her by her new nickname, “The Roses Cutter” instead of Hasmik. The memo became a joke, and was exposed to ridicule and resentment at the same time.  Hasmik revolted and gave no attention to that silly memo, and continued to exercise her Roses cutting once a week out of spiritual love and passion for flowers.  This incident among others, brought Hasmik and I closer and closer together, to reach a point of no return, and to be my beloved companion and wife. 

*Hasmik is an Armenian name means: Jasmine (Flower).

Mohammad Hussain Alnajafi
January 1st, 2024
www.afkarhurah.com

 

 

نصب الحرية لمن؟

كما نُشرت في الحوار المتمدن العدد 7841 بتاريخ 30/12 2023

عِبر السنين
 نهشت الكلاب أجسادهم
وغرست الذئاب أسنانها في عظامهم
والأفاعي سممت أبدانهم
وهلك مُعظمهم
وكاد أن ينقرض من كوكبنا عنصرهم 
******
ومع ذلك يقولون: إن بعضهم باقون
أحياء وفي قضيتهم ما زالوا يؤمنون
وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ينشطون
وعلى قلتهم يتظاهرون ويهتفون
يزرعون وقلما يحصدون
*****
ولكن
أين المظلومون؟ أين المحرومون؟ أين المهمشون؟
!!لماذا لا يشاركون
في بيوتهم جالسون
 وعلى الأخبار يُحللون ويُعلقون
ويتفلسفون
*****
ولكن
أين المثقفون، أين الثوريون؟
أين اليساريون؟
لعلهم تحت نصب الحرية يهتفون
وعلى أمجاد الماضي يتباكون
وللسجون والمعتقلات يحنون
وفي أحلام النهار يسبحون
وفي شارع المتنبي يتسكعون
وفِي الكتب القديمة يُقلبون 
علّهم فيها يجدون
صِدق نبوءة مهديّهم
 الذي ما زالوا ينتظرون
*****
قلْ لهم يا صاحبي
إنه ليس زمان ترف الأدباء
ولا ثقافة وعِلمانية الأغنياء
إنه زمن الصريخ والتحدي والاقتحام
زمن السلاح والمال والعار
وكل ما هو حرام
زمن طبع الحجارة في جبين اللئام
*****
 فيا أيها المُنظرون
إذا لم تتعلموا كيف تنتصرون
وفي الانتخابات تفوزون
اتركونا في سباتنا نائمين
ودعونا في لذة آثامنا فرحين 
وفي أنانيتنا غارقين
وليهنأ بضعفنا الفاسدون
الذين في الوطن يعبثون
ومن ثروته ينهبون
وبالرحمن في النهار والليل يُسبحون Read More

المثقف إنساناً: الدكتور محمد عبد الرضا شياع أنموذجا

كما نُشرت في كتاب “مرافئ النص وضفاف النقد” للدكتورة الأديبة أناهيد الركابي، ص:26-33 عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع،
 قراءة في منجز الدكتور مُحمد عبد الرضا شياع النقدي والفكري

كلنا بشر مهما كان ديننا او لوننا او عرقنا او ثقافتنا. كلنا بشر سواء كنا أطباء او مهندسين أو عمال في مصانع الحديد. لكن كلمة إنسان وإنسانية تتطلب قيمة إضافية كي يتحول البشر الى إنسان بمعنى الكلمة. اما الثقافة فهي من حيث الأساس معلومات، تتحول الى ثقافة حينما يضاف لها قيمة إنسانية حضارية. وانا سعيد الحظ لأنني تعرفتُ وإن كان في خريف حياتي على ذلك النوع من البشر: إنسان يمتلك معلومات ثقافية يوظفها في خدمة الإنسانية، وبالتالي فهو الانسان المثقف الأمثل.

ولست مُبالغاً فيما أقول قولي هذا، وليس من باب الصداقة، وليس تحزباً او مناصرةً طائفية او عنصرية او مناطقية، لأنها جميعاً غير متوفرة هنا. ولكن الذي اوصلني لهذا التقدير هو تجربتي القصيرة، بل القصيرة جداً في عمر الزمن. فلقد تعرفتُ على الدكتور محمد عبد الرضا شياع، وهكذا يُفضل ان يُنادى باسمه الكامل على ما اعتقد، تعرفت عليه يوم 6 أيلول من عام 2020، الموافق 18 من شهر محرم الحرام عام 1442 هجري، حينما قدمتُ بحثي الموسوم ” الدور السياسي والوطني للمواكب الحسينية” على منصة “الصالون العراقي- لوس انجلس”. كان الدكتور محمد عبد الرضا شياع أول المعقبين، وقدم مداخلته ولم يكن لي معرفة مسبقة به. وكما هو متوقع في معظم المنصات الحوارية، يجتهد بعض المحاورين بالبحث عن النقاط السلبية او يطرحون أسئلة لأحراج المتحدث. على العكس من ذلك كان الدكتور شياع، لم يكن تقييمه للبحث إيجابا فقط، وانما ابدى اعجاباً بحماس، داعياً منصة الصالون العراقي لنشر هذا البحث على أوسع نطاق، لأنه بحث يُسلط الأضواء على الدور الإيجابي للمواكب الحسينية. بطبيعة الحال تقييمه أبهرني وأسعدني وشجعني، لأن البحث لم يكن سرداً لما هو مألوف عن واقعة الطف ومراسيم احياء ذكراها، خاصة ان البحث مُقدم من قبلِ شخص علماني يساري.

بعد ذلك بحوالي أربعون يوماً قدّم الدكتور محمد عبد الرضا شياع، وعلى منصة الصالون العراقي، بحثه الموسوم “تداخل الأنواع الإبداعية وتشكيل النص: بابلو رويث بيكاسو وعبد الوهاب البياتي أنموذجاً”. وكنت أحد المشاركين في اللقاء. بدأ الدكتور بالحديث بلغته العربية الفصحى، والتي كانت فوق المستوى اللغوي لمعظم الحاضرين وأنا واحداً منهم. كلماته ليست من مفرداتنا اليومية، بل حتى ليست مفردات عربية مألوفة في الأدب القصصي العام او أي مؤلف باللغة العربية. كانت لغته أقرب الى اللغة الشعرية للعصر الجاهلي او مفردات لا يستعملها سوى كبار الأدباء أمثال المتنبي والجواهري.

أحس الجميع من ان المتحدث فوق مستوانا ليس بقليل، وانما بفارق شاسع. لم يتجرأ أحد ان يكتب تعقيباً في الدردشةِ او يرفع يده لطلب المداخلة. امر غير مُعتاد ومخجل وربما سوف لن يحاور أحد ضيف البرنامج. قبل انتهاء الدكتور من محاضرته، وصلتني رسالة على الخاص من أحد مديري الصالون طالباً النجدة، من انه: “اترجاك أبو عامر حضر سؤال او سؤالين، وإلا سوف نشعر بالخجل مع الدكتور”. حقيقة الأمر ان الدكتور في الجزء الأول من بحثه عرض صور لبيكاسو وفي الجزء الثاني قرأ نماذج شعرية وأحداثاً ومفارقات استأنس لها الحضور.

لحسن الحظ أني مُطلع على بعض من شعر عبد الوهاب البياتي خاصة ترجمته لشعر الشاعر التركي ناظم حكمت، وبعض أعمال بيكاسو خاصة الرسوم التكعيبية منها. لم افتعل الحوار لأني فعلاً وجدتها فرصة لا غنى عنها كي استفاد من معلومات ثقافية، هي ليست معلومات مجردة، لأن المحاضر يُحللها ويقارنها ويقيمها ويمنحها قيمة ثقافية في الميزان العام للثقافة. بدأت كلامي من أن هذه المحاضرة قد حققت طفرة ثقافية في مستوى المحاضرات والبحوث التي تُقدم في الصالون العراقي، ورجوته ان يزيدنا مستقبلاً منها. كنت صادقاً في ذلك لأنني شعرت من إضافة المحاضرة لي معلومات جديدة، وتعرفت على مصطلحات لم تكن لها سابقة في قراءاتي. طرحت عليه أربعة تساؤلات، أجاب عليها بكل سلاسة ووضوح وكان متفقاً مع معظم تساؤلاتي بدلاً من ان يكون مناهضاً لها، وهذا ما شجع الآخرون للمشاركة في العديد من المداخلات.

كان لهذين الحدثين وقعاً مؤثراً في نمو العلاقة الثقافية بيننا، والتي تحولت الى علاقة صداقة شخصية وعائلية أعتز وأفتخر بها.  دعاني أبا إيناس لزيارته في سانت دياغو وكانت دعوة كريمة التقينا فيها العائلتين مع الأستاذ عقيل العبود وعائلته ومجموعة أخرى من العوائل الكريمة. كانت نزهة على الشاطئ الذهبي لجنوب كاليفورنيا، تمتعنا بالسمك المسكوف الذي أشرفت عليه إيناس البنت البكر للدكتور. كذلك تعرفنا على ابنائه مهند ومرتضى وابنته الصغرى فاطمة. عائلة يصعب وصفها، الأبناء والبنات يدورون حول أبيهم ويحضنون الضيوف بقلوب صادقة وبنية صافية تتحسسها من أول لحظة.

Saturday October 2,2021, San Diego, CA

ثم جاءت المفاجئة الكبرى حينما أعلن الدكتور شياع المباشرة بمنصة “مجموعة زينب كحل الفردوس الثقافية”. اعتقد انني كنت من الأوائل الذين اطلعوا على هذا الأمر، وتمنيتُ مخلصاً النجاح لهذه المنصة الثقافية والتي كنت متأكداً من انها ستكون مصدر إشعاع ثقافي وعلمي نحن بأمس الحاجة اليه. وهذا ليس كل ما في الموضوع. إذ يبرز دور الدكتور شياع كونه مُخلصاً ووفياً لزوجته التي رحلت ليس بالأمد البعيد، حين سمى المنصة بإسمها وبإسم مشروع كتاب كان يعمل معها لإنجازه. إلا انها رحلت بأمان الله، فشيد لها زوجها الوفي حسنةً جاريةً تستمر مادام هناك أثير في الكون.

والدكتور محمد عبد الرضا شياع لا يشبه معظم المثقفين والأدباء والشعراء الذين إنفردوا او إنعكفوا على ذواتهم ولحالهم في صومعة مغلقة على أنفسهم. كلا فإنه من اليوم الأول قدم مشروع زينب كحل الفردوس على إنه مشروع عائلي يُساهم فيه أبنائه الأربعة إيناس ومهند ومرتضى وفاطمة، كل واحد منهم له دوره في البحث والأعداد والتنسيق وتقنية الزوم ومصاعب العالم الرقمي في النشر والتوزيع. يا لها من عائلة مباركة متعاضدة مُتآزرة لإنجاح مشروع ثقافي حيوي. ومع ذلك يبقى الفضل الأكبر لربان السفينة التي آمن من ان مرساها ومجراها لا يعتمد فقط على الربان، وانما كذلك على سواعد وهمة الكادر المرافق له.

ولم يكتفِ هذا المثقف الأنسان بذلك، حيث ان مشروعه لم يكن ندوة محاضرة وسؤال وجواب، انما جاءنا بمفهوم جديد، ففي كل جلسة تحتفل المجموعة بالمُحاضر، تبرز أعماله ونشاطاته وإنجازاته الأدبية والفكرية. حيث يقدم الدكتور شياع دراسة موثقة عن المُحاضر تتضمن معلومات واسعة ومنظمة عما قدمه المُحاضر من استحقاقات إسهامات تحسب له في مجال المعرفة والثقافة. وهذا جُهد مُضنٍ ومتعب إلا انه مُجدٍ يقدمه الدكتور لنا، لا عن نفسه وانجازاته التي ليست بالقليلة، إنما عن الآخرين الذين يستحقون التقدير والذين تقديمهم من على منصة مجموعة زينب كحل الفردوس فيه مساهمة وخدمة للمثقفين والثقافة عموماً. وأنا لا أنكر بهذا الصدد كم استفدتُ من هذه اللقاءات وكم تعرفت على اشخاص ومفاهيم لا يخلو قسم منها من الغرابة والاندهاش في بعض الأحيان بالنسبة لي على اقل تقدير.

والمفهوم الآخر الذي اجتهد في تنميته الدكتور شياع هو عدم اقتصار المشاركين على النخبة الثقافية العراقية في المهجر. إذ انه ربط ربطاً جدلياً بين النخبة داخل الوطن والعراقيين في المهجر، هذا من جهة ومن الجهة الأخرى فتح وباعتزاز واضح باب منصته على مصراعيها للنخب الثقافية ليس في المشرق العربي متمثلاً بمصر وسوريا والأردن وفلسطين فقط، وإنما في المغرب العربي لمفكرين من تونس ومصر والمغرب والجزائر. أليس هذا ما يسمى بالوحدة العربية!!! نعم إنه تطبيق حي للمفهوم الوحدوي العربي عن طريق الثقافة ولَم الشمل إنسانياً وليس قسرياً كما تُفرض من قبل السياسيين.

وللدكتور محمد عبد الرضا شياع فضل عليّ شخصياً، أولها انه وعائلته منحوني وزوجتي صداقة لا مثيل لها، وكأننا نعرف بعضنا من عشرات السنين. صداقة يصعب تقييمها، وانما أستطيع القول من انها صداقة لا أستطيع الاستغناء عنها. وثانيهما انه شجعني بحرارة على استكمال ونشر كتاباتي، حيث ساعدني في تقديم الكتابين “المناضل الصغير” و “شموع لا تُطفئها الرياح”، وفي تصميم الغلافين، وكثير من الإرشادات التي لا يراها إلا ناقداً متمرساً وصديقاً مهتماً بإنجاز لصديق له. وثالثها انه مكنني ولا زال، من ان أثقف نفسي أكثر واتعرف على نخبة أدبية ومفكرين مبدعين من خلال منصته ذات الاعتبار، منصة “مجموعة زينب كحل الفردوس الثقافية” التي أرى انها تسير بإتجاه ان تكون أكاديمية ثقافية عُليا عبر الأثير بجميع اشكال وانماط وسائل التواصل الاجتماعي. كما انني أتمنى ان تجد هذه المحاضرات طريقها للنشر على شكل مطبوعات لتكون مصدراً مهماً للباحثين وطلاب الدراسات العليا. الأستاذ الدكتور محمد عبد الرضا شياع إنساناً متميزاً وقامةً أدبيةً لأنه يمثل صورة المثقف الأنسان بأبهى صورها، لما يملكه من نكران للذات وحبه المتناهي للغير وليس للأنا. إنه منار وقدوة لمن يريد المسير في هذا المشوار الثقافي الإنساني.

محمد حسين النجفي
4 آذار 2023
رئيس تحرير موقع أفكار حُرة
www.mhalnajafi.org
www.afkarhurah.com

 

تربية المُسلسلات

كما نُشرت في صحيفة المثقف بتاريخ 6 كانون اول 2023

تربية المُسلسلات

كنا نقضي معظم أوقات طفولتنا في بيوتنا او نلعب في الحارة مع أبناء الجيران. كنا ننام مبكراً ونستيقظ مبكراً، الى ان دخل التلفاز الى بيوتنا وأصبح مهماً في حياتنا، وبدأنا نشاهد الأغاني والأفلام والمسلسلات العراقية والعربية والاجنبية. كانت القصص تدور حول البطل والبطلة والمجرم، وتنتهي بانتصار البطل، وكنا نسميه “الولد” لأنه مع الحق، ويخسر المجرم لان الشر يجب ان يخسر. كان هذا السيناريو مفهوم ومقبول ومحبوب اجتماعياً ومن قبل الإباء والابناء.

تطورت التكنولوجيا وتغير الزمان، ولم تعد قصص الماضي تشد القارئ او السامع او المُشاهد في القرن الواحد والعشرين. والإنتاج الفني صناعة تجارية لا بد من استمرارها وضمان ربحيتها، وهذا حق مشروع لا ننازع فيه أحد. ما يمكننا ان ننازع فيه هو ما الذي يقدمه هذا الفن الذي دخل بيوتنا ولا نقدر على منعه وعدم مشاهدته. نعم انه لهو وتسلية بالدرجة الأولى، انه ليس مُنتج إرشادي ديني او علمي أكاديمي، انه “بزنس” (تجارة)، نعم انه بزنس، ولكن ما تأثير هذا النوع من وسائل الترفيه علينا وعلى الشباب وعلى الكيان العائلي! هل يقدم لنا النموذج الأفضل من ان الجريمة لا تجدي، وان المجرم سيُقتل او يسجن!

لا أنكر من انني أحد المشاهدين للمسلسلات اللبنانية والسورية والمصرية والتركية المدبلجة. كذلك اشاهد الأفلام والمسلسلات الامريكية. لا تندهشوا إذا قلت من ان الأفلام والمسلسلات الغربية ذات قيمة معنوية واخلاقية أفضل وأرقى من المسلسلات العربية. الغرب أضاف الرعب والدماء والغموض والالفاظ البذيئة الى انتاجه الفني، إلا انه لم يفقد بوصلة النهاية، “الحكمة من الحكاية”.

تُقدم لنا المسلسلات الحديثة سيناريوهات تعيد نفسها، اخوة يتصارعون على نفس الفتاة، خيانة زوجية مع اخ الزوج او اخت الزوجة، الكل لديهم أبناء غير شرعيين يظهرون فجأة في منتصف المُسلسل، غنى فاحش، سلطة ونفوذ غير محدود، قصور فارهة لا يملك مثلها حتى الامراء والملوك.

كي يطلب اليد للخطبة يحجز المطعم برمته، مصحوباً بغابة من الورود وموسيقى تعزفها شابة انيقة، يختات في البحار، طائرات خاصة، اما الملابس فحدث ولا حرج، كلها ماركات مشهورة وغالية، لم تظهر الفتاة بنفس البدلة أكثر من مرة واحدة، احياناً نفس اليوم بدلتين او أكثر. بذخ مفتعل وسخيف ورخيص، ونفس السيناريو يعيد نفسه مرات ومرات ومرات، وتتحول قصة قصيرة الى خمسين او ستين حلقة او أكثر.

دعك من كل هذا لان ذلك ربما حشوٌ لتسويق عدد أكبر من الحلقات! المهم القيمة والحكمة والدرس والإرشاد الذي سيستفيد منه المشاهد الكريم في النهاية. سابقاً كان المجرم وحده الذي يرتكب الجريمة، اما في مسلسلاتنا العربية والتركية، فإن الجريمة حق مشروع للجميع! وكأنها جزء من العادات والتقاليد الموروثة.

أما الخيانة الزوجية، الجريمة النادرة المخلة بالعرض والشرف فإنها لم تعد حكراً على الرجل الذي كان يمارسها مع بنات الهوى، وانما أصبحت ضمن حقوق المساوات بين الرجل والمرأة، والخيانة أصبحت خطأ او زلة لابد من تفهمها وتقبلها وعدم تحطيم اسرة اُسُسَها مرصوصة بالمجوهرات والجاه والقصور والمال والبنون.

أما “البزنز”، فكلهم يتعاملون بمليارات الدولارات، وكلهم نكتشف لاحقاً، انهم يتاجرون في المخدرات والأسلحة والأدوية المغشوشة، وانهم متغلغلين في أجهزة الشرطة والقضاء، ولا أحد في الدولة لا يُشترى او يُباع. والعجيب كلهم خبراء في الكمبيوتر والنت والفوتوشوب والتزوير والمكائد.

يُعرض حالياً مُسلسل لبناني “كريستال” ومُسلسل تركي مُدبلج “فريد”، ومُسلسل مصري “أنا شهيرة_ أنا خائن”. دعني احدثكم عن الأخير أنا شهيرة، وشهيرة دكتوراه صيدلة، اعترف لها زوجها بندم انه خانها، لم تُضع وقتاً ابداً ذهبت في نفس اليوم وضاجعت زوج صديقتها المقربة اليها، وهي بذلك سددت الدين وانتقمت من زوجها بهتك عرضها وعرضه. مُسلسل فريد يتزوج من فتاة جميلة زواج عائلي علماً ان لديه حبيبة وهي لديها صديق، لا ينامون على فراش واحد وحوار لا نهاية له بينها لم ينتهي بالموسم الأول وانما مُستمر الى الموسم الثاني. أما مُسلسل كرستال الرائع! مبنيٌ على صراع بين فتاتين بنت العائلة الغنية مصممة الأزياء المشهورة مع بنت السائق التي تخدم في البيت، نافستها في مهنة التصميم وعلى الدكتور الذي يُحبها. مسلسل طويل عريض مليء بالخيانات والسرقات والمكائد والصراخ وأجمل عرض للأزياء، حتى الخادمات يلبسن ماركات مشهورة.

نتيجة هذه المسلسلات ان “كلوا محصل بعضوا” ليس مُهماً ان تكون طيباً او حريصاً او شريفاً، المهم ان تعيش برفاهية وتملك قصور وسيارات وطيارات وووو. وإذا كان هذا يتطلب ان نغش بمنتوجاتنا فبها، او نتاجر بالمخدرات والأسلحة ماكو مشكلة إذا لم نوفرها نحن سيوفرها غيرنا ويكسب مكسباً نحن أحق به.

هل فكر المجتمع، ما هو تأثير هذه المسلسلات التافهة على الشباب وعلى الروابط العائلية. أنا شخصياً لا أؤمن بالرقابة الحكومية الصارمة، التي مهمتها كتم الأصوات، وحذف الانتقادات الموجهة للحكام، ومنع مشاهد الخلاعة، وحذف الكلمات البذيئة، وغير ذلك. ولكن هناك رقابة تربوية واجتماعية، وتوجيهية لمجمع أفضل مفقودة من المعادلة. لا أتوقع ولا أشجع تلقين مجتمعنا ما هو صح وما هو خطأ، لكن ذلك لا يعني ان اخضعهم لغسيل دماغ مستمر صورة وصوت وتشويق، كل دلالاتها تشير ان لا تكون غبياً في هذه الدنيا، لأنها لا تؤخذ إلا غلاباً.

لا أدرى هل لاحظ اساتذتنا في علم النفس والاجتماع هذه الظاهرة، هل بحثوا مدى تأثيرها على العلاقات الاجتماعية، هل هناك بحوث اكاديمية على مستوى الماجستير والدكتوراه، هل درسوا ما تأثير ان تكون الخيانة الزوجية مجرد خطأ، يُحل بالاعتذار، وما هو تأثير ذلك على خريجوا الجامعات الذين لم يحصلوا على وظائف، ويشاهدون في المُسلسلات كيف ان المجرمين يعيشون حياة بذخ دون حساب او كتاب. أسئلة كثيرة نطرحها امام المختصين بالسلوك الإنساني كي يُبدوا رأيهم، لأننا امام كارثة سلوكية حالية ومستقبلية من أجيال متأثرة بما تتعلمه من المُسلسلات التافهة التي احكمت سيطرتها على الإنتاج الفني الأكثر رواجاً. المُسلسلات أضحت المؤثر الأقوى على تربية الأجيال الحالية والقادمة.

محمد حسين النجفي
رئيس تحرير موقع أفكار حُرة

www.mhalnajafi.org
www.afkarhurah.com

الحرمان

كما نُشرت في صحيفة المثقف بتاريخ 14 كانون الثاني 2023
الحرمان

وضعتْ يدها اليمنى على خاصرته وسحبته الى جانبها وبصيغة عتاب بين احباب، قالت له: “تاليها وياك؟”، حركة مفاجئة لم يتوقعها ابن الجيران، ولم تخطر له على بال، ارتعش جسده دون هوادة، وارتخت قدماه ولم يستطع تثبيتهما على الأرض.  كان ذلك في أحد ايام رمضان من ستينات القرن الماضي حينما فاجأته بنت الجيران، اثناء وجوده في مطبخ البيت يمارس شيء يحبه جداً وهو المساعدة في تجهيز فطور رمضان.

سمعت بنت الجيران خطوات اقدام أم البيت قادمة الى المطبخ، فانسحبت وتركت البيت بعد ان قضت حاجة مفتعلة معها. كان نساء الجيران في الاحياء الشعبية يتزاورون كثيراً، ويمونون على بعضهم البعض عند الاحتياج.  تركته وهو في منتهى الذهول، مرعوباً ولكن في غاية الفرح والسرور. شيء هام وغير متوقع قد حدث سيكون له أثر كبير على مجريات حياته. كان في بداية المراهقة لم يتجاوز عمره الاربعة عشر عاماً بينما كانت بنت الجيران أكبر منه سناً فيما لا يقل عن ثلاث او أربع سنوات، مكتملة الانوثة جميلة نحيلة وذات شعر طويل وعيون واسعة ذات نظرة حادة متلهفة لشيء ما.

 حينما جذبته اليها لم يستطع حتى ان يستدير بوجهه كي يقابلها او ان يمد يديه الى مفاتن جسمها او ان يحضنها كما حضنته. لم يدم ذلك سوى لحظات معدودة، بقي اثناءها متسمراً في ارضه، إلا انها لحظات مٌزلزلة ارتجت لها كل اوصال مفاصله. انه الحدث الذي نقل ابناء الجيران من الطفولة البريئة الى النضوج الغريزي المبكر، ومن الخيال الى الواقع الملموس، ومن التمني الى التوقع المتكرر، ومن المجهول في عالم الألفة بين الجنسين الى ممارسة يومية لنوع من انواعه.

 كان ذلك اليوم هو آخر يوم يقضيه صاحبنا صائماً، رغم انه ظل متظاهراً من انه صائم. كيف يصوم ويصلي وهو مستغرق بأفكار واحلام تثير غريزته وفضوله الطبيعي وغير الطبيعي. كيف يصوم واصبحت زياراتها المتحججة بأنها تريد ملح للطبخ او انها تريد تصريف ربع دينار كي تعطي اخوتها مصروفهم اليومي، او انها طبخت اكلة شهية واستذكرت جيرانها بحصة منها.

 كانت تأتي بهذه الحجج المفتعلة وهي تعلم انه في البيت وليس في المدرسة حيث كان ما يزال طالباً في المتوسطة آنذاك، لم تكلمه بعد تلك المقولة المذهلة: تاليها وياك! لأنه لم يكن هناك وقت كي يضيعانه في الكلام، كانا يخطفان لحظات العناق والقبلات الحارة على استعجال خوفاً من الاكتشاف، يسحب نفسه الى مكان ما في البيت ومعظمه كان في مدخل البيت حيث هناك باب ذات زجاج غير شفاف يفصل بين الباب الرئيسية وغرفة الجلوس من جهة وغرفة الضيوف من الجهة الأخرى، في ذلك المربع الصغير كانا يتعانقا ويتبادلان القبلات العنيفة المحرمة على استعجال وتمتد ايديهم الى اماكن مجهولة في اجسادهم لم يكونا قد اكتشفاها من قبل، يكتشفون ما استطاعوا دون كفاية، وكل مرة ينفكا بسرعة عن بعضهما قبيل الارتواء. ارتواء نهايته عطش مستديم.

 كل ذلك دون ان ينبسوا بكلمة واحدة، لم تقل له احبك ولم يقل لها ذلك، كلام لا قيمة له هنا، كان هوساً أساسه حرمان لرغبة جامحة في صدر بنت الجيران، هوت على جارهاَ فتلقفها وهوى عليها. كان حباً غريزياً بامتياز واشباع لرغبات جامحة مكبوتة بين بنت الجيران مع ابن الجيران توهجت من حرارتها الجدران ما بين بيوت الجيران.

 محمد حسين النجفي
رئيس تحرير موقع أفكار حُرة

www.mhalnajafi.org
www.afkarhurah.com

الشوارب المفتولة

“ذكريات لندنية”

تعرض إبراهيم لحادث سير عنيف ادى الى تمزق في احشائه الأمامية الوسطى والسفلى. وقد اجريت له عدة عمليات في العراق قبل القدوم الى لندن. جاء معه والده ابو إبراهيم مصاحباً الذي كان مختار محلة في قضاء شيخان شمال الموصل، وهو انسان ذو صفات ومظهر قروي رغم قدومه الى لندن بملابس غربية (أفندي)، عمره في العقد الرابع او الخامس من العمر، حليق الذقن مع شوارب مفتولة نهايتها شامخةً نحو الأعلى، وكأنها شوارب الأغوات ايام زمان، دائم الابتسامة وفي منتهى الخجل والأدب والتواضع.

ابراهيم لا يغادر غرفته إلا نادراً ويفضل العزلة، إلا اننا كنا نسمع دندنته على القيثارة التي كان يقضي معظم اوقاته معها. طلب مني ابو ابراهيم ان اذهب معه لمقابلة طبيب ابراهيم لغرض الترجمة، وذلك لعدم حضور المترجم المخصص له. ذهبنا لمقابلة الطبيب الجراح وكان ابراهيم مرتبكاً بشكل واضح لم يستطع اخفائه، حتى طرح سؤال لا يفارق تفكيره وطلب مني ان اترجمه: دكتور، هل سيأتي اليوم الذي استرد به صحتي ويكتمل به كل جسمي كرجل؟ طرحت السؤال باللغة الإنكليزية على الجراح، ولم أستطع ان اداري عيوني من عيون ابو ابراهيم، الذي تقلصت ولمعت عيونه، ربما لأنه يعلم ما لا نعلمه. كانت اجابة الجراح بمنتهى الصراحة والبرود الإنكليزي المتعارف عليه: إن الأمل ضعيف جداً وانه يجب ان نكون واقعيين.  ركز أبو ابراهيم نظراته المتوسلة تجاهي وكأنه يطلب مني الرحمة والشفقة، وحتى من دون ان يطلب مني، لم أكن لأمتلك البرود الانكليزي كي اترجم ما قاله الجراح حرفياً دون تحوير. قلت لإبراهيم بما معناه: إن الجراح يرى ان امامنا طريق طويل للعلاج، وان هناك أمل رغم ان السؤال سابق لأوانه. تنفس أبو ابراهيم الصُعداء من جوابي وابتسم قليلاً، وبرم شاربيه نحو الأعلى، وانبهرت عيناه بلمعان دموع من الفرح هذه المرة.

لم يستطع أبو ابراهيم ان يشكرني بحضور ابنه، إلا انه في اليوم التالي تشكر مني كثيراً، وقال لي: يا ابو جاسم، انت انقذت حياة إبراهيم حينما ترجمت بطريقتك الذكية ما قاله الدكتور، غياب المترجم كان رحمةً من الله. كان ابو ابراهيم ممنوناً جداً مني، وأصبحنا نتحدث بين الحين والآخر.

كان مكتب تأجير الشقق المفروشة الذي يملكه خالي الحاج كريم ويديره اخي الحاج رعد،  يقدم خدمات عامة للنزلاء، معلومات عن المطاعم والتسوق وصرافة العملة. كان المكتب مثل خلية النحل في النهار بين القادم الجديد والراحل الى ارض الوطن، بين من يعود بعد الشفاء ومن يرجع مكسور الخاطر. وفي ظهيرة أحد الأيام كنا جالسين في المكتب، خالي واخي وانا وابو ابراهيم وآخرين، دخل علينا أحد النزلاء الجدد (وهو قائم مقام شيخان) من غرفته الى المكتب وبدأ حديثه بالسلام عليكم، وإذا به يتفاجأ بوجود ابو ابراهيم بيننا: مرحبة أبو إبراهيم، سلام خاص من القادم الجديد لأبو إبراهيم. وقف ابو إبراهيم غاضباً وكان جوابه: لا هلا ولا مرحبة، الله لا يرضى عليك ولا يوفقك. اجابه القائم مقام: دقيقة أبو ابراهيم خلي نتفاهم. نتفاهم عن ماذا! بعد ان فصلتني من شغلي، آني مختار شيخان، أباً عن جد، انت طلعتني وعينت واحد زعطوط (طفل) سويته مختار لأنه صار “بعثي”! أجابه أبو إبراهيم وترك المكتب مُسرعاً، دون إعطاءه فرصة للجواب. كانت مواجهة حادة ومفاجئة للجميع وموقف مُربك ومُحير، وذلك لما نعرفه عن ادب وخلق أبو إبراهيم، ولم يحاول القائم مقام الاختلاط بنا بعد تلك التعرية المهينة.

كان مكتب ادارة التأجير يتحول في المساء الى صالة تُعقد بها جلسات سمر لنزلاء المضيف، خاصة في مسائي الجمعة والسبت، حيث كنا نلعب الدومينو والطاولة واحياناً نحتسي بعضاً من البيرة. وفي إحدى تلك الأمسيات الممتعة طالت الجلسة قليلاً، وبين الدومينو والطاولة والبيرة وصوت ام كلثوم، انتعش الجميع. ترخص أبو إبراهيم وقال: يا جماعة تصبحون على خير، وحينما وقف، وقع الكرسي الذي كان جالساً عليه. ارتبك ابو ابراهيم من وقوع الكرسي، واعتذر شديداً دونما يكن هناك حاجة لذلك. مرت عدة ايام لم نرى فيها وجه أبو إبراهيم البشوش، ولم نستمع الى أحاديثه بعربيته ذات النغم الشيخاني الأزدي الكردستاني الجميل. قلقتُ عليه، فذهبت الى غرفته أتفقده، خرج أبو إبراهيم ووجهه يتسم بالخجل وكأن العار قد لحقه. “وينك يا أبو إبراهيم تمْ بالنا عليك”: قلت ذلك بصيغة العتاب، “والله يا أبو جاسم، آني هواية خجلان” قالها وهو محني الرأس. “على شنو أبو إبراهيم! ” قلتها متسائلاً ” هذاك اليوم آني سكرت وخربطت ووّكعت الكرسي”. اذهلني جوابه، واعجبني حيائه، وزاد احترامي له كثيراً، وتذكرت ما فعل به القائم مقام، وقلت له: والله يا أبو إبراهيم ما أنزل للمكتب إلا وأنت معي، وفعلا ارغمته على النزول وكسر حاجز الخجل من حادث بسيط جداً، لا يعير له انتباه اي منا. آه يا أبا إبراهيم لقد نجحت في اختبار المواجهات، فكنت شجاعاً، وحنوناً وخجولاً، كل في محله، ما أحلى طيبتك الفطرية، وشموخ كبريائك وعلو مقامك وخجلك الطفولي الجميل، وإن شواربك المفتولة تمثل الرجولة بكل معانيها. لا زلتُ أتذكرك واتذكر دندنة قيثارة إبراهيم، وإن مضى على هذه الذاكرة أكثر من أربعين عاماً.

#شيخان

 

المناضل الصغير: حكايات عشق نضالي

المناضل الصغير
 حكايات وعشق نضالي ما تزال منقوشة بالذاكرة

د. خير الله سعيد
كما نُشرت في صحيفة المثقف، 22 آب، 2023

ليس هناك أصدق من حالات الانفعال الطفولي، حيث أن تداعياتها تبقى حاضرة مهما اختلفت ظروف الإنسان في العمر والمكان، وهي كما قال الشاعر طرفة بن العبد: تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد. من ذكريات الطفولة هذه، يفاجئُنا الأستاذ محمد حسين النجفي بكتابه الممتع (المناضل الصغير) الصادر حديثا في بغداد، عن دار أهوار للنشر والتوزيع سنة 2023. والكتاب كما يقول المؤلف، من أدب السيرة التي تُحدّد ذكرياتها الأيام، عندما كان المناضل الصغير يضع أولى خطواته في مسارات السياسة المتعكّرة تاريخياً في أرض العراق. اضغط على الرابط ادناه لتكملة القراءة:

https://mhalnajafi.org/wp-content/uploads/المناضل-الصغير-حكاياتٌ-عشقٍ-نضالي-.-3.pdf

من أعتنى بحديقتنا

سؤال بسيط ربما لا يحتاج الى تفكير طويل: من كان يعتني بحديقة بيتنا؟ هل كان لدينا فلاح (جَنيني) يعتني بحديقتنا ام لا؟ الجواب نعم كان لدينا واسمه رضا. كان رضا شاب في عمر العشرين عاماً، حينما اتفقنا معه عام 1969، كي يعتني بحديقتنا التي مساحتها بحدود الخمسمائة متر مربع. حديقة جميلة يتوسطها ثيل  (عُشب) اخضر، محاطة بورود متنوعة وزاهية من كل الجوانب، وحوالي عشرين شجرة حمضيات من النارنج والبرتقال والليمون.

يسكن رضا مدينة الكاظمية وبيتنا في الكرادة الشرقية، حيث كنا على طرفي نقيض من مدينة بغداد، هو في اقصى شمالها ونحن في أدنى جنوبها. يضع عدته وادواته على دراجته الهوائية يدور بها البيوت من بيت لآخر، رغم شدة البرودة في الشتاء وحرارة الصيف التي لا تُحتمل. كان رضا يتصبب عرقاً وهو يعمل في حديقتنا في عز ظهيرة أيام الصيف، خاصة حينما يقص العشب بماكينته اليدوية.

لم يفُت ذلك على والدتي رحمة الله عليها. كانت تجهز له صينية غذاء كاملة، تمن (رز) ومرق ولبن ورقي (بطيخ) وجاي وماء مثلج وكلشي وكلاشي. بالنسبة لامي المسألة لم تكن مزاجية يوم عزيمة ويوم لا. كلا كانت مسألة مواظبة وكأنها مُلتزمة بعقد معه. ان ما كان يُقدم لرضا ليس من بقايا طعام اليوم السابق، او مجرد خبز وقليل من الأكل. كلا كان يعامل كضيف، لا بل ربما ضيف شرف.

ومرت الأيام وتوفيت والدتي شتاء عام 1973، وهي في مقتبل عمرها حيث انها لم تتجاوز الأربعين عاماً. لم نستوعب وفاة والدتي، والحياة يجب ان تستمر، ونحن لم نتوقف، واستمرينا بالحياة بكل طاقتنا، ساعدنا بذلك انتقال جدتي ام والدتي للسكن معنا. الله كم كان ذلك عوناً لنا. كنا نتحدث عن كل شيء، ما عدا الحديث عن امي. حتى انا لم أستطع الحديث عنها رغم انها معي وصورتها امامي مع كل نبض في عروقي، وربما هذه هي المرة الأولى التي اتحدث عنها بعد رحيلها بخمسين عاماً.

عام 1973 عام مليء بالأحداث، حيث قام الجيش المصري بعبور قناة السويس وتحريرها من القوات الإسرائيلية وسميت الحرب بحرب اكتوبر، كذلك استكمل العراق تأميم كل شركات النفط الأجنبية في نفس العام، تبع ذلك زيادة هائلة في واردات العراق النفطية، التي استُثمر قسم منها في مشاريع تنموية سُميت في حينها بالخطة الانفجارية، التي أدت الى استقدام العديد من الشركات الأجنبية للعمل في العراق، مما أدى الى نقص في العمالة وارتفاع مضطرد في الأسعار، رغم استقبال الملايين من العمالة الأجنبية وخاصة اخوتنا المصريين.

في هذه الأثناء لاحظتُ ان رضا قد اشترى دراجة نارية بدل الدراجة الهوائية، ثم أبدل ماكينة قص العشب اليدوية بماكينة تعمل على البنزين. وبدلاً من ان يزورنا ثلاث مرات في الأسبوع أصبحت مرتين، تناقصت بعد ذلك لتكون مرة واحدة اسبوعياً. أثار ذلك قلقي وخوفي من ان فتنة حديقتنا وزهوها والتي كانت ايقونة والدتي، قد يضمحل بمرور الزمن. لذا تحدثتُ مع رضا في أحد الأيام صراحة، واعترضت على تقليل زياراته لنا، وعرضتُ عليه زيادة الأجور الى خمسة دنانير بدل من ثلاث دنانير شهرياً. كانت اجابته وبريق الدموع في عينيه: عمّي على الحديقة لا تخاف. حالياً مثل هذه الحديقة اجورها الشهرية ليس أقل من خمسة عشر ديناراً في الشهر، “لكني لا اريد أي زيادة لأن هذه الحديقة امانة عندي من المرحومة، وسوف اداريها بعيوني ولن أقصر في رعايتها ابدا”.

“شكراً لك يا رضا الشاب الكادح النجيب الذي غزّر فيه العيش والملح والمعاملة الطيبة،
وشكراً لكِ يا أمي لعنايتكِ بحديقتنا حتى بعد رحيلكِ بسنين.”

شموع لا تُطفئها الرياح

“لقد اعتمد الكاتب اللغة النثرية، مخلصاً في إيصال رسالته للقارئ المفترض، والذي أتصوّره يحكي له بأسلوب مشوّق، ويصمت عندما يجد قارئه المفترض شارد الذهن، أو متأمّلاً ناظراً في الأثر الذي تتركه الأحداث فيه، الكتاب سيرة ذاتية روائية كُتبت تفاصيلها بوعي عالٍ، والكاتب يحفر عميقاً في جدران زمن الحاكم الذي لم يتصالح معه في عهوده الملكية والجمهورية، وهو يقود العراق تاريخاً وشعباً، جغرافيّاً واقتصاديّاً من خندق إلى خندق، والشعب يدفع ثمن ولائه المطلق للوطن حياةً وحلماً.”
الاستاذ الدكتور محمد عبد الرضا شياع

إقرأ الكتاب بالضغط على الرابط ادناه:

https://mhalnajafi.org/wp-content/uploads/شموع-لا-تُطفئها-الرياح.pdf

You have successfully subscribed to the newsletter

There was an error while trying to send your request. Please try again.

أفكار حُـرة : رئيس التحرير محمد حسين النجفي will use the information you provide on this form to be in touch with you and to provide updates and marketing.