أفكار حُـرّة : رئيس التحرير محمد حسين النجفي
صوت معتدل للدفاع عن حقوق الأنسان والعدالة الأجتماعية مع اهتمام خاص بشؤون العراق
كما نُشرت في صحيفة “المدى” الغراء يوم 20 تشرين2 2023
الشعوب لا تُفنى ولا تُستحدث
اتسم القرن العشرين والربع الأول من القرن الحالي بحروب ونكبات كارثية، تركت آثارها على العلاقات بين الشعوب وغيرت من طبيعة التوزيع السكاني جغرافيًا، وخلقت شتات بشري مبعثر هنا وهناك بعدما أجبرتهم الحروب والاضطهاد السياسي والعرقي والتمييز الديني، على الهجرة من ارض الإباء والأجداد، إلى ديار غير ديارهم، مرغمين عليها غير مخيرين.
ولنأخذ مثلثين واضحين، اضطهاد الدولة العثمانية للأرمن في بداية القرن العشرين، أبان صراعهم مع الغرب، التي سُميت بـ “مذبحة الأرمن”، مما أدى إلى نزوح الآلاف من الأرمن للنجاة بحياتهم إلى الدول المجاورة ومنها سوريا ولبنان والعراق وإيران. الحدث الثاني في أثناء وبعد حرب وتقسيم و”نكبة” فلسطين عام 1948، مما أدى إلى هجرة وتهجير الآلاف من العوائل الفلسطينية مُجبرين، إلى دول الجوار ومنها الأرْدُنّ ومصر وسوريا ولبنان والعراق والكويت. أعيدت الكَرة على الفلسطينيين خلال وبعد “نكسة 5 حَزِيران” عام 1967، واستمرت الأحداث تتوالى إلى يومنا هذا.
سكن وتكاثر عدد الأرمن والفلسطينيين في المخيمات التي أعدت خصيصًا لهم من قبل المنظمات العالمية، لحين ما استطاعوا شق طريقهم في التعليم والتكيف للعيش في الدول المُضيفة لهم وليصبحوا بمرور الزمن مواطنين لهذه الدول. الأجيال التي تلَتهم، بحثوا عن مستقبل أفضل لهم في الدول الغربية مثل أوروبا وكندا وأمريكا الشِّمالية والجنوبية. واليوم الأرمن والفلسطينيين منتشرين في كل بقاع العالم. وما الأرمن والفلسطينيين إلا مثالين للاستدلال على الفكرة التي نروم الوصول إليها، فهناك المصريين والعراقيين والهنود والأفغان وسكان أفريقيا وغيرهم، أصبحوا كذلك منتشرين في كل أرجاء المعمورة.
يقال أن المهاجرين ألأوربيين إلى القارة الأمريكية قتلوا تسعين بالمئة من سكانها الأصليين، إلا أن ما تبقى منهم استطاع أن يفرض نفسه ليتقاسم القارة ألأمريكية مع المهاجرين البيض وتوقيع معاهدة سلام تضمن لقبائل الهنود الحمر التي يصل تعدادها إلى 574 قبيلة، أن يكون لها ارض ووطن، خارج إطار سلطة الحكومة الفدرالية والحكومات المحلية للولايات المتحدة ألأمريكية. كذلك حينما حاول اليونانيون في قبرص المستقلة حديثًا عام 1960، أن يهيمنوا على السلطة بمفردهم، انتفض أتراك قبرص عام 1974 وتدخلت القوات التركية واليونانية لفض النزاع ورسم حدود آمنة بين المكونين عام 1975 ليعيشوا بسلام بانفصالهم عن بعض، وان الحكومتين التركية واليونانية كفيلة بضمان تحقيق ذلك.
كذلك علينا ألّا ننسى أن اليهود اُضطُهِدوا من قبل فرعون مصر وهاجروا وتاهوا في سيناء، وتمّ سبيهم من قبل نبوخذ نصر عام 586 ق م وأخذهم سبايا من القدس إلى بابل، ثم تعرضوا للاضطهاد على يد سلطة هتلر النازية وإيطاليا الفاشية ولم يكن اليهود محبوبين في عموم أوروبا أو أمريكا. وعلى العكس من ذلك كان اليهود مُعززين مُكرمين في الشرق الأوسط في العراق وسوريا ومصر وإيران وفلسطين، لا بل كانوا الطبقة المميزة المثقفة والغنية التي ساهمت في نهضة وتحديث هذه المجتمعات في النصف الأول من القرن العشرين، إلى أن جاءت حرب فلسطين وتقسيم فلسطين ونكبة فلسطين وتهجير الفلسطينيين.
للأسف الشديد بُنيت إسرائيل ليس لمصلحة اليهود كما يتصورون، وإنما لمصلحة الغرب سياسيًا واقتصاديًا، وعلى حساب أهل الأرض الأصليين من المسلمين والمسيحيين واليهود. أراد الغرب أن يُحجم العرب ويسيطر على مواردهم الطبيعية (النفط والغاز)، وكذلك أراد أن يتخلص من سيطرة وهيمنة اليهود على الاقتصاد الغربي بتشجيعهم للهجرة إلى فلسطين كي يتخلصوا منهم، بدءًا بوعد بلفور الذي وعد باستحداث شعب جديد على ارض فلسطين. وفي رأيي فإن اليهود قد أكلوا الطُعم وأصبحوا أداة بيد من أضطهدهم بالأمس، كي يبنوا وطنًا مصطنعًا، سيبقى مهزوزًا، لعدم انتماءه لجذور الأرض الذي بُنيّت عليها.
إن تجارِب الشعوب تُدلنا على أن أي حاكم أو سلطة ممكن أن يقضوا على حزب أو على حركة، إلا انهم لا يستطيعون أن يختزلوا أو يمحوا شعبًا بالكامل، والدلالة على ذلك أن اليهود ما زالوا في الوجود على الرغْم من تعرضهم للاضطهاد على مراحل الزمان وفي مختلف البقاع، كذلك فإن الشعب الفلسطيني سيبقى وسيزداد عنادًا مهما بلغت همجية سلطات الاحتلال، لأن الشعوب لا تُقهر، إنها أكبر من حركة أو حزب إنها الأشجار المباركة.
كان حريًا باليهود أن يُعاملوا الفلسطينيين كما يُحبوا أن يُعاملوا، وليس كما عاملهم الغرب، كان الأجدر بهم أن يُحاربوا الغرب الذي هجّرهم من ديارهم. أن الحركة الصهيونية والتطرف الديني لدى بعض اليهود سيختفي يومًا، وتنتهي إسرائيل بالشكل الذي نعرفه اليوم وربما سينتهي دور حماس في المستقبل، إلا أن بقاء الشعب الفلسطيني والشعب اليهودي غير مرهونين بالكيان الإسرائيلي أو بمنظمة التحرير الفلسطينية، انهما اكبر من ذلك بكثير، حيث إن ” الشعوب لا تُفنى ولا تُستحدث من العدم”
محمد حسين النجفي
رئيس تحرير موقع أفكار حُرة
www.mhalnajafi.org
www.afkarhurah.com