عفوية الانتفاضات

مرت ثلاثة أعوام على أحداث غزة، ولم نسمع عن أي تحرك جماهيري في العالمين العربي والإسلامي. لم يبدُ ذلك غريباً، ولم يتساءل القادة السياسيين في العالمين: لماذا لا يوجد أي حراك في الشارع العربي والإسلامي؟ هل حلت وسائل التواصل الاجتماعي محل صخب المتظاهرين واصواتهم الغاضبة، هل منحت الشعوب اصواتها وإرادتها للمعلقين السياسيين الذين يكتسبون رزقهم من أيادي تمتد لهم من تحت وفوق الطاولات، هل أيست الشعوب ووصلت الى نتائج أن لا دور مُجدي لها، أم ان الحكام والزمن ألتف حولهم، وأضحى كسب العيش شغلهم الشاغل؟ أسالتٌ كهذه وغيرها كثيرة لا جواب مقنع لها.

كان عمري تسع سنوات حينما جرى العدوان الثلاثي على مصر بعد تأميم قناة السويس، كان يومها العداء بين نوري باشا السعيد رئيس وزراء العراق والرئيس جمال عبد الناصر على أشده، إلا ان هذا لم يمنع الشعب العراقي الذي خرج الى الشوارع بزخم كبير لاستنكار العدوان، والحق يقال لم تبذل الحكومة العراقية جُهداً لمنعها. ما هذا إلا نموذج لدور الشعوب وتضامنها مع الأشقاء عند الشدائد.

فما بالنا الآن؟ هل أصبحنا مثل ذلك الأعرابي الذي سُؤل يوماً ما: إن كان مع علي (ع) أم مُعاوية في صراعهم، والذي أجاب: أن الصلاة مع علي أتم والأكل مع معاوية أدسم والجلوس على التل أسلم!!!!!!!!

إن التاريخ يخبرنا ان الحراك الشعبي لا ينطلق من المصانع ولا من المزارع ولا من المناطق السكنية، إنما دائماً يبدأ من المدارس والجامعات، وفي العراق في العهد الملكي لعبت الثانوية المركزية والمدرسة الجعفرية ومعهد المعلمين وكلية الطب دوراً رئيساً في تأجيج الحراك الجماهيري في الشؤون الداخلية مثل معاهدة بورت سموث او لاستنكار العدوان الثلاثي على مصر او احتجاجاً على نكسة حزيران عام 1967.

أين طلاب المدارس هذه الأيام، اين طلاب الجامعات، اين الشباب وحماسهم الثوري؟ هناك غياب كبير وفراغ في الساحة السياسية لا يملأه سوى شباب الجامعات والمدارس الثانوية الذين يشعلون فتيل الانتفاضات لتصل الى المصانع والورشات والجوامع والأسواق التجارية ومحلات السكن الشعبية.

الشباب في الدول العربية والإسلامية يمر بمرحلة سبات عميق، لا أدري لماذا؟ ولكن ربما لأنهم تعرضوا لاضطهاد مستمر، او شاركوا بنشاطات لم تثمر أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية، أو لأنهم تصوروا ان إبداء الرأي في وسائل التواصل الاجتماعي سيؤدي دوره، ام انهم أصبحوا مجرد مستهلكين للأخبار كما يستهلكوا الأكل والشرب والملبس، ام انهم في حالة احباط مستديم تحول تدريجياً الى نزعة فردية انانية لدرجة أضحت عاهة شخصية مميزة لجيل بأكمله.

لا أدري كيف يشعر او يتفاعل الشباب العربي والمسلم، حينما يرون طلاب وشباب اوروبا الغربية والولايات المتحدة، يتظاهرون ويعرضون أنفسهم للضرب والاعتقال ليس لقضيتهم بشكل مباشر، وانما لقضية هزت مشاعرهم الإنسانية وهم على بُعد آلاف الاميال من الشرق الأوسط وهي قضية غزة وفلسطين، والتي من المفروض انها القضية الاولى للعرب والمسلمين منذ عام ١٩٤٨.

نعم أن هناك بعض الحراك الشعبي، إلا انه حراك مطلبي لحقوق او امتيازات تهم فئة معينة، مثلاً نرى حراك لخرجي الجامعات مطالبين بالتعيين الحكومي، أو احتجاجات الموظفين على تأخر دفع الرواتب الشهرية في اوقاتها، او احتجاجات على تصرف حكومي معين. كذلك الشعارات الوطنية التي ترفع في نشاطات مواكب محرم الحرام وأربعينية الحسين (ع)، إلا انها نشاطات موسمية من عام لعام، وكلها احتجاجات مهمة، ولكن الذي اقصده هو المشاركة في حراك جماهيري ليس يتوقع منه منفعة ذاتية لفئة او طائفة بذاتها

ولا ننسى انتفاضة تشرين عام 2019 ولا تحرك التيار الصدري عدة مرات، إلا ان كل ذلك لا يمثل قدرة وطاقة الشعب العراقي في إبداء رأيه حتى بمعزل عن الأحزاب السياسية التقليدية، وهذا بالضبط ما حدث في أوروبا والولايات المتحدة، وما يحدث حالياً في فرنسا.

إن شبابنا مشغولون بفرق كرة القدم الأوربية، وكيفية التسلق السريع وظيفياً ومادياً واجتماعياً، لذا نراه يجد نفسه منساقاً وراء حزب او حركة او شخصية ذات نفوذ وسطوة، يطيعهم وينفذ ما يريدون، ويحصل هو على ما يريد غير عابئ، ان كان ما يقوم به قانونياً او اخلاقياً. ففي السابق كانوا مرغمين على الانتماء لحزب البعث واليوم مرغمين للانتساب لاحزاب المحاصصة السياسية.

السؤال هو كيف نحفز الشباب كي يشاركوا إيجابياً في ما يحدث في وطنهم وكيف يُبدوا اهتماما اكبر فيما يدور حولهم في هذا العالم المتسارع في التطور والأحداث، خاصة ونحن نعيش في عالم مخيف ومبهم وهو عالم الذكاء الاصطناعي.

علمنا التاريخ أن الأحداث والانتفاضات، ليس بالضرورة ان تبدأ من حدث ضخم وكبير، إنما تبدأ بخطوة مجحفة تقوم بها السلطة بحق الوطن او الشعب او فئة منه، تُشعل فتيل شرارة لحركة ارتجالية عفوية من قبل مجموعة من الشباب، او من جهة منظمة تأخذ على عاتقها المبادرة، لبدأ عملية الاحتجاج. وفي معظم الحالات تشارك جماهير واسعة في ذلك النشاط إذا احست بأحقيته.

هناك احزاب خارج السرب كما يقولون ومنهم اعرق الأحزاب الشيوعي العراقي، الذي شارك مشاركة فعالة في انتفاضة تشرين قبل سبع سنوات، واليوم يبادر بإنتفاضة مطلبية تهم عموم الشعب العراقي وهي تغيير سعر صرف الدولار تجاه الدينار العراقي، وهذا يعني بدل ان تقوي السلطة عملتها الوطنية ! تمعن في تقليل قيمتها في السوق المحلية والعالمية، وهذا سيؤدي الى ارتفاع الأسعار لان العراق والحمد لله لا يستهلك سوى كل ماهو مستورد خاصة بعد القضاء على القطاع العام الصناعي والتجاري.

ان هذه الانتفاضة التي دعا اليها الشيوعي العراقي تعطي أمل من ان الشعب العراقي اكتفي بسباته واستيقظ ليعلن صوت الشعب وإرادته امام دولة المحاصصة. ولقد تزامنت صدفةً ام لا مع انتفاضة الشباب الفرنسي والتي بدأت بمطالب اصلاحية للتعليم الثانوي والتي سرعان ما تحولت الى مطالب عامة احتجاجًا على الغلاء وسوء الاحوال المعيشية ثم انتشرت خلال العديد من دول أوروبا.

المطلوب هو ان تندفع الجماهير المتضررة والتي ستتضرر، من التشريعات غير الموفقة من قبل السلطة لتغطية عجزها في ادارة الاقتصاد العراقي لصالح الجماهير بل على العكس لصالح الدولار والدول المصدرة للعراق، فهل سيحدث ما نتمناه ام سيبقى النائمون نائمون والمثرثرون يثرثرون والمعلقون يلعقون عفواً يعلقون.

محمد حسين النجفي

رئيس تحرير موقع أفكار حُرة

WWW.MHLANAJAFI.ORG

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back To Top