الثمن الباهض للأحتجاج

قرر مجلس انصار السلام في العراق في صيف عام 1962 ان يؤيد الحركة العالمية التي كان يقودها الفيلسوف البريطاني “برتنارد روسل” رئيس مجلس السلم العالمي، للأحتجاج على التجارب النووية بشكل عام والتي تقوم بها امريكا في صحراء نيفادا الأمريكية آن ذاك بشكل خاص. وكان لحملة برتنارد روسل هدفين اساسين هما وقف سباق التسلح النووي من خلال ايقاف التجارب النووية التي يقوم بها الشرق والغرب ومما يسببه ذلك من تلوث بيئي مستديم، وكذلك منع خطر نشوب حرب نووية بين الأتحاد السوفيتي والغرب بقيادة الولايات المتحدة خاصة بعدما شاهد العالم أهوال وبشاعة هيروشيما وناكازاكي. كانت الأحتجاجات تجري بمنتهى السهولة والحرية في عموم اوربا الغربية وكندا واميركا، إلا ان الشباب العراقي الذي قرر المشاركة بهذه الحملة دفع ثمنها غالياً. وهذه هي القصة كما عايشتها:

Nuclear Bomb
الأتحاد العام لطلبة العراق
Bertrand Russel

 تقرر ان تقوم وفود تمثل جميع شرائح الشعب العراقي للذهاب للسفارة الأمريكية في بغداد في يوم الجمعة المصادف التاني والعشرين من حزيران عام 1962،  وتقديم عريضة احتجاج مكتوبة. وتهيأت مجموعة تمثل المهندسين  ومنهم حامد منيب البستاني واخرى تمثل التجار ومنهم علي كرمنجي  واخرى للعمال ومن بينهم النقابي مهدي حبيب واخرى للأدباء وكان من بينهم الشاعرمحمود عبد الريفي والصحفي مجيد الراضي وفخري كريم حبيب زنكنة (صاحب مؤسسة المدى حالياً). وكانت مجموعة الطلاب برئاسة كريم الحجية وعضوية حكمت الدقاق وانا وحوالي ستة آخرين. وتجمعنا في باب المعظم قرب كلية الهندسة ودار الطلاب. وكل مجموعة ما عليها الا ان تؤجر سيارة او باص لتسليم الأحتجاج للسفارة،  والرحيل بنفس الواسطة المؤجرة. ولم يكن هناك اية نية في التظاهر او الشغب او الأعتداء او اي شكل من اشكال العنف. ولكن حدث ما حدث:

وصلنا الى السفارة حيث كان كل شئ هادئ وعادي. وكان هذا النشاط السلمي في بغداد وضد التجارب النووية التي تمارسها امريكا المعادية والمتآمرة على العراق والزعيم عبد الكريم قاسم بشكل مستمر. ترجلنا وبيدنا عريضة الأحتجاج كي نسلمها بشكل سلمي وحضاري الى السفير او من يمثله. وحال وصولنا بوابة السفارة واذا بنا نفاجئ بمجموعة كبيرة من رجال الأمن العراقي بملابسهم المدنية في داخل السفارة. هذا يعني انهم كانوا يعلمون بمجيئنا. فأما ان السفارة كانت تعلم ونسقت مع الأمن او ان الأمن لديه خبر ونسق مع السفارة. وبدءوا بالصياح والضرب بألايادي والهراوات، واذا بسيارات تأتي جاهزة لأعتقالنا ونقلنا الى دائرة الأمن في جانب الكرخ على ما اعتقد. وهنا نزلنا من الباصات واذا بألامن مصطفين على جانبي الممر المؤدي للنظارة وغرف التحقيق على شكل استعداد للتتشريفات. وعلى كل واحد منا ان يمشي بينهم للوصول للجانب الآخر للحجز. كان من بين الأشخاص الذين امامي كريم الحجية الذي رفض ان يطأطئ راسه فأنهاله عليه بالضرب المبرح. اما انا فكنت في عمر الرابعة عشر او الخامسة عشر ولم احلق ذقني بعد. يبدوا انهم ادركوا ذلك ولم يعتدي عليّ احد. ونحن في الحجز بأنتظار التحقيق جاءت التعليمات من كريم الحجية ان نتحداهم ونقول لهم اننا ذهبنا لنحتج على التجارب النووية ولا ننكر ذلك. وهذا ما قاله الجميع عدا اثنين وعلى الأغلب لم تصلهم التعليمات.

 بعد ذلك وزعونا على عدة مواقف لكثرة عددنا. فرحلونا انا وحوالي خمسة عشر شخصاً الى مركز شرطة المنصور قرب ساحة سباق الخيل. وكان في هذا المركز ردهتين للموقوفين، الأولى كبيرة وذات باب من حديد مشبك اي مفتوح على الخارج للرؤيا وللتهوية. والثانية في تقديري مُعدة كموقف او زنزانة لشخص او شخصين فقط، مساحته حوالي 6 امتار في اربعة امتار،  بابه حديد صلب لا منفذ فيها سوى شباك اعلى الباب حجمه بقدر كف اليد. وعلى الأغلب فإنه مصمم ليكون سجن انفرادي لأعتى المجرمين . المهم اختاروا لنا السجن الأنفرادي ووضعونا جميعا فيه، وكان عددنا حوالي اربعة او خمسة عشر شخصاً. وكان ذلك في ظهيرة يوم حار جداً من ايام الصيف في الثاني والعشرون من شهر حزيران عام 1962 في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم الذي كنا ولازلنا نكن له الحب والتقدير والتأييد.

وبقينا في هذا الموقف عشرة ايام كاملة لا نخرج منه إلا مرة واحدة في اليوم لأستخدام الحمام على عجل. ولقد علمنا ان من بين الموقوفين في الردهة المرفهة جنبنا،  القاتل والناهب والحرامي واحدهم كان من اغتصب ابنته. مع ذلك كانوا هم الأولى بالردهة ذات الأربعة نجوم، يعاملون معاملة جيدة افضل منا بكثير لأننا كنا أكثر اجراما وخطراً على المجتمع منهم ! طبعاً المكان لا يكفي كي نتمدد وننام جميعنا في آن واحد وكنا نتناوب على ذلك، فالبعض نائم والبعض جالس القرفصاء والآخر واقف. وفوق هذا كله كانت هناك موجة حر شديدة جداً وبالتالي كنا شبه عراة. ولدينا تواليت داخل الموقف وكلما استخدمها اي منا امتلئت الغرفة بالرائحة الكريهة والكل يشعر بالغثيان. وفي اليوم الأول وضعت انفي على حافة الجهة السفلى من الباب لأتنفس بصيص هواء داخل من الخارج الينا. كان هذا البصيص من الهواء النادر قادر على ان يُسكرني كي انام في تلك الليلة المشؤومة والليالي التي بعدها.

 كان لأبي صديق عزيز في سوق الشورجة وهو ابو سعد ( عبد الوهاب احمد العلي) الذي لديه الكثير من المعارف في اجهزة الأمن والشرطة من منطقته الأصلية شهربان.  وعلى ما يبدوا فإن الزيارات كانت ممنوعة، إلا ان ابو سعد استطاع ان يحصل على موافقة لامي كي تزورني وياليته لم يفعل ذلك. حيث قابلتني من وراء ذلك الشباك وكنت بملابسي الداخلية فقط من شدة الحر والخنقة وعدم توفر الهواء . واذا بها تنغمر بالبكاء وتنهار قواها وتسقط على الأرض. بعدها رجعت الى مكاني في زاوية من ذلك الجحر الذي لايليق بالكلاب السائبة ووجه امي المسكينة وهي تجهز بالبكاء لا يفارقني وانهمرت دموعي وظللت ابكي وابكي وساد مجموعتنا الوجوم والحزن ولم يحاول ان يحدثني احد بهذا الموضوع. كان من مجموعتنا وهم ليسوا طلاب، كلهم كبار وفي ذلك الزمن من عمر ابي.  كان من بينهم غازي لعيبي من مدينة الثورة وحبيب مهدي عامل خياطة  وباسل من كربلاء وحنا والشاعر  محمود عبد الريفي والصحفي مجيد الراضي وصائغ صُبي. ولقد كانت مجموعة مثقفة من ارقى ما يمكن ان تتعامل معهم في وضع كهذا، حيث لا يمكن لأخ ان يحتمل أخاه. ولكني اعتقد انهم احترموني وقدروني كرجل رغم اني كنت في عمر الأربعة عشر عاماً، واعتنوا بي لصغر سني وعدم تخاذلي.

وبعد عشرة ايام عجاف،وفي اليوم الأول من تموز عام 1962 تم نقلنا الى الموقف العام القلعة السادسة في باب المعظم.  وهناك التحقت مجدداً بزميلي وصديقي حكمت وكريم الحجية رئيس الوفد الطلابي وعلي الكرمنجي صديق خالي حجي كريم من الشورجة. كان انتقالنا الى الموقف العام كمن ذهب من النار الى الجنة. حيث ان لكل شخص مكان ويطغ (فراش) ومراوح سقفية وماء ودورات مياه خارج غرفة الموقف تستخدم متى نشاء وكان لنا حمام  للغسل ومطبخ للسجناء ومقره في القلعة الخامسة. كان معظم المسجونيين في القلعة الخامسة والسادسة هم من الشيوعيين واليساريين واكراد من حزب البارتي المتهمين بأحداث الموصل وكركوك. وهناك التقيت بحمزة السلمان المحامي من منطقة الزوية والمتهم بالمشاركة في احداث الموصل والذي ظل موقوفاً مع المئات مثله لحين 8 شبط 1963 حيث تم تصفيته مع المئات ممن كانوا معه. والتقيت بصادق جعفر الفلاحي القائد العمالي النقابي المخضرم والموسيقار احمد الخليل الذي لحن وغنى افضل الأغاني للزعيم والثورة مثل اغنية هربجي كرد وعرب رمز النضال واغنية موطني (ليس نشيد موطني) والمهندس المثقف حامد منيب البستاني وهو عم زميلي وصديقي علي طاهر منيب البستاني وصفاء الجصاني (ابن اخت الشاعر الجواهري) ولطيف الحاج (اخ عزيز الحاج) والعديد من الأدباء والشعراء والمناضلين الذين كانوا يسترجعون ذكريات السجون في سجن الحلة والكوت وبعقوبة ونكرة السلمان ايام العهد الملكي، وكأن التاريخ يعيد نفسه. ومن الغريب جداً فإن كل الموقوفين كانوا من اشد المؤيدين للزعيم عبد الكريم قاسم وثورة تموز. وكنت اسأل نفسي دائماً لماذا تعتقل الدولة مؤيديها؟ وكيف يمكن ان تكون معتقلاً ولازلت مناصراً لمن اعتقلك؟ سؤآل لازالت الأجابة عليه تحمل اوجه متباينة.

توسط والدي لدى محسن الرفيعي مدير المخابرات العسكرية وابن مدينته “النجف الأشرف” كي يطلق سراحي.  وكان جواب محسن الرفيعي لوالدي عن ابنه ذاك الشقي البغي المناهظ للحروب والناشط من اجل السلم والعدالة الأجتماعية مايلي:

  “والله لو ابنك كان بعثي لو قومي لو قواد لو قاتل قتلة…… لكنت قد اطلقت سراحه في الحال …. ولكن شيوعي هاي لتحجي بيهه”.

حدث هذا في عهد الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم، وكان هذا الشخص مديراً للمخابرات العسكرية وأخفى المعلومات التي ادت الى نجاح ردة شباط الدموية عام 1963. وعلى اية حال يبدوا انه طلب من ابي ان اغير افادتي وانكر انني ذهبت للأحتجاج على التجارب النووية الأمريكية ثم يفكر بمساعدتي. وبعد مكوثي حوالي عشرة ايام في الموقف العام جرى استُدعيت لوحدي دون الآخرين للتحقيق مُجدداً. ومن الموقف العام رحلوني الى وزارة الدفاع واخذني الشرطي المرافق الى احد المكاتب فدخلتها. وهناك كان مجموعة من ضباط الجيش برتب عالية وفي منتهى الأناقة والأدب. سألوني لمذا ذهبت الى السفارة الأمريكية؟ قلت للأحتجاج على التجارب النووية. قال احدهم ان اباك يريد مساعدتك كي يخلى سبيلك وهذا يتطلب تغيير افادتك. قلت لا اريد ان اُغير افادتي. قالوا لماذا ؟ قلت لأني لا اريد ان اكذب. طبعا كان عقلي يقول لي لقد سعى والدي كثيرا كي يخرجني من هذا المأزق وتذكرت بكاء امي في مركز شرطة المنصور، إلا ان الأيمان الأعمى بما كنا نقوم به هو الحق ويستحق التضحية دفعني للأصرار على عدم تغيير افادتي. طبعا هذه المرة كانت رهبة التحقيق تختلف عن سابقتها حيث الأولى كنا مجموعة كبيرة يصل عددنا بحدود المئة نستمد القوة والمعنوية من بعضنا البعض. اما هذه المرة فكنت وحدي لا سند ولا عمد وعمري لم يتجاوز الخامسة عشر. لم يستمر التحقيق معي كثيراً وامروا بأعادتي الى الموقف العام. وحينما افكر بها اقول دعك من ألأمن والشرطة والأعتقالات الأعتباطية وغير القانونية،  ولكن كيف ارتضى ضباط حقوقيون لأنفسهم ان يرجعوني الى الموقف بعد ان علموا انني لم اقم بأي عمل ضد الدولة وبعد ان رأؤوني وميزوا عمري من انني دون السن القانونية حتى للأعتقال .

رجعت الى الموقف العام فأستقبلني حكمت وذهبت للجلوس على مفرشه وحكيت له ما دار، وبعد ذلك فكرت بعناء ابي ورعب امي واجهشت بالبكاء كثيراً. قاطعني ابي ولم يزرني بعد ذلك. اما امي فكانت كلما تأتي في يوم المقابلة، يغمى عليها وتجهش بالبكاء وبعد رحيلها اشعر بغربة قاتلة وذنب كبير ويغص قلبي وتنهمر دموعي وادفن راسي في وسادتي وابكي وابكي حتى انام. وكان من الذين زاروني اضافة الى امي خالي مهدي وزوجته ام حيدر وابن خالتي ناجي ومسؤولنا الأتحادي جاسم الذي كان فخورناً بنا.

عشرة ايام في موقف مركز شرطة المنصور في ظروف غير انسانية بتاتاً وثلاثون يوما في الموقف العام القلعة السادسة التي التقيت فيها بمجموعة كبيرة من النقابيين امثال كليبان العبلي رئيس نقابة الميكانيك الذي كان مرحاً دائماً وصادق جعفر الفلاحي ومحاضراته القيمة، وعلي الكرمنجي وهو صديق خالي حجي كريم ومن سوق الشورجة والذي كان يرعاني عن بُعد ومهدي حبيب العامل المثقف والناشط في نقابة عمال الخياطة وغيره الكثيرون من المخضرمين في السياسة ومن الشباب اليافع امثالي وامثال حكمت حيث كنا من اصغر المعتقلين. 

طبعاً لم ينتهي الموضوع هنا وانما الدول البوليسية تنسى حقوق المواطنة ولا تنسى حقوقها في فرض الطاعة العمياء على مواطنيها. ففي اليوم الحادي والثلاثين من شهر تموز 1962 وبعد مرور اربعين يوماً على توقيفنا تقرر اطلاق سراحنا بكفالة واخذونا الى مركز شرطة السراي لأجراء معاملة الكفالة. وجاء خالي صاحب لكفالتي، حيث كان ابي مازال مخاصماً لعدم قبولي تغيير افادتي. واحيلت قضيتنا الى الحاكم العسكري العرفي الثاني شاكر مدحت سعود رئيس المحكمة العرفية الثانية والذي هو من اشد الحاقديين على الوطنيين والتقدميين. والسبب ان هذه القضية احيلت الى محكمة عرفية لأن العراق كان ما يزال تحت سلطة الأحكام العرفية منذ 14 تموز 1958 على الرغم من مرور اكثر من اربع سنوات على الثورة.

بعد ان خرجت من المعتقل لفت انتباهي شيئين مهمين. الأول ان عائلتي كانت فرحة بعودتي الى البيت فرحاً شديداً، إلا انهم لم يعاتبوني على ما فعلت وخاصة ابي الذي يحق له ذلك وانا في عمر الخامسة عشر فقط. والشئ الآخر انني حينما ذهبت الى سوق الشورجة للعمل مع ابي استقبلني التجار وموظيفيهم وحتى حماميل السوق بالأبتهاج والفخر. وسمعت من معظمهم مصطلح لم اسمعه سابقاً (يفداك من راعك). وهو مصطلح يبدوا انه دارج ذو معنى تأييد لما قمت به واستنكار لمن عاقبني. كذلك تلمست من معظمهم ان ابي رغم توسطه لأخلاء سبيلي إلا انه كان فخوراً بي حينما رفضت التنازل. هذا الأستقبال جعلني اشعر ان ما نقوم به مهم وله مردود ايجابي لدى عامة الناس.

 وفي شهر تموز من عام 1963 واثناء فترة حكم البعث البغيظة انتقلت للسكن في الكاظمية في بيت خوالي محسن وكريم ومع خالتي حياة وجدتي، هروباً من ملاحقات زمرالحرس القومي في الكرادة الشرقية خاصة بعد حركة الشهيد “حسن سريح” في معسكر الرشيد في 3 تموز 1963 وصدور امر بأعتقالي.  وكنت اذهب من الكاظمية الى سوق الشورجة للعمل مع والدي . وفي احد ايام شهر آب طلب مني جارنا في سوق الشورجة الأخ خليل محمد كمال الدين ان يتكلم معي في محله في سوق الطحان المقابل لمحلنا في دربونة حسين بن روح في الشورجة. واذا به يريني الجريدة وبها امر بأعتقال المجرمين الهاربين مجموعة “غازي لعيبي وزمرته” ومنهم انا بأمر من رئيس المحكمة العرفية الثانية في معسكر الرشيد. وهي الدعوة المقامة علينا من عهد الزعيم قبل الأنقلاب بخصوص الأحتجاج على التجارب النووية. وقال لي يجب ان تترك الشورجة حالاً لانه “مثل ما انا قرأتها سيقرأها الأخرون”. وفعلا تركت الشورجة مسرعاً وذهبت الى الكاظمية كي ابقى ليل نهار هناك. وعلى الرغم من معرفتي ان معظم شباب تلك المنطقة من المتعاطفين الا انني فضلت الأبتعاد عن اي اتصال. وكنت اذهب وقت العصر الى منتزه 14 تموز الذي كان قد افتتحه الزعيم قرب جسر الأمامين جهة الكاظمية، والتقي هناك بشخص واحد فقط هو أياد مال الله وهو من اصدقاء سوق الشورجة. وكنت في طريقي ذهاباً وايابا امر على مركز شرطة نجدة الكاظمية التي التي سيطر عليها مقاوموا الأنقلاب الفاشي والذي قاموا من اسطحه دبابات الغدر وكان حياطين المركز مثقبة كالمنخل تمنحني شعور مزدوج بالفخر وبالأخفاق.

وفي يوم رتب والدي واسطة لي عن طريق صديقه أبو سعد ( عبد الوهاب العلي) أن يأخذني الى مديرية الأمن العامة ويُسلمني ويقول من انني لست هارب ومستعد لحضور المحاكمة حال حصولها. وذهبت وبقيت في النضارة، ولفت انتباهي انه اضافة للشيوعيين الموقوفين كان هنا قوميون عرب موقوفين ايضا وهم شركاء الأمس بالجريمة. المهم كان هناك الكثير من الأخذ والرد مع الواسطة الى ان اطلق سراحي بكفالة اخرى لحضور المحكمة العسكرية في موعدها. 

وفي بداية ايلول كان الوضع قد استتب للأنقلابيين، وشعر اهلي وكذلك شعرت انا من انه من الممكن ان التحق لأكمال دراستي في الثانوية الشرقية.  وذهبت يوم التسجيل وهو تسجيل روتيني، بأعتباري انا طالب في المدرسة وناجح من الصف الرابع الى الصف الخامس الثانوي. كان مسوؤل التسجيل هو عبد الستار النداف، مدرس العلوم في المتوسطة الشرقية والذي رُقيَّ الى معاون مدير الثانوية الشرقية لميوله البعثية. وحينما رآني، طلب مني ان استقدم ولي امري للتسجيل لانه يعرفني جيدا. اخذت ابي في اليوم الثاني، واخذ من والدي تعهد بأن لا اتدخل في السياسة كشرط قبل ان يسجلني. شعرت بالأضطهاد والمرارة من اني وضعت ابي في هذه المهانة من قبل حثالة يتحكمون بنا. وتسآلت كيف يمكن ان يحول المدرس التربوي نفسه الى اداة بطش وقمع لطلابه؟

وبعد يومين او ثلاثة من بدأ العام الدراسي 1964/1963 جاء احد طلاب الأتحاد الوطني وطلب حضوري الى مكتب مدير المدرسة، وذهبت معه وكان ينتظرني في مكتب المدير احد افراد جهاز الأمن وهو اخو عباس عمران من جيلنا وهو المفوض موسى عمران الخفاجي (والذي اعدم في زمن صدام لاحقاً). اخذني مع شخص آخر بسيارة فولكس واكن الى مقر أمن سري في ارخيته. وعند خروجنا من غرفة المدير يونس الطائي الذي كان متعاوناً جداً مع الأمن، رأيت مخلص عبد الجليل ( وهو اخو غانم عبد الجليل عضو القيادة القطرية للبعث) يراقب من بعيد فعلمت انه كان وراء هذه الأخبارية. كذلك علمت لاحقا من انه طلب من شخص آخر ان يطلبني من الصف وقال له “انت روح جيبه لأنه صديقي ما اكدر” ( كنا في المتوسطة الشرقية في نفس الصف لثلاث سنوات). طلبت من الأمن ان اتصل بأهلي كي اعلمهم، فقال لي المفوض موسى وهو يضحك هسه يعرفون ان عصابات الأمن قد خطفتك. 

وصلت للأمن العامة ووضعوني في الخفارة مجددا. ورأيت من بعيد في مكتبه أبو صباح ( نوري العاني) ورآني من بعيد وهو يعرفني وشعرت بالراحة لأنه صديق والدي وعمل في الشورجة كوكيل اخراج كمركي بعد ان فُصل من الأمن العامة بعد ثورة 14 تموز لأنه كان من المقربين لبهجت العطية مدير الأمن العام في عهد نوري السعيد والذي حكم عليه بألاعدام مع التنفيذ في عهد الثورة. وقد أُرجع الى الخدمة بعد ردة شباط ( وهذا يفسر من كان وراء الأنقلاب). المهم كانت الأخبارية على نفس موضوع محكمة العرفي الثاني. وحينما استدعاني ابو صباح للتحقيق، شرحت له الأمر من انني جئت بمحض ارادتي قبل اسبوعين وخرجت بكفالة، وان هذه الأخبارية قديمة. المهم اخرجني بكفالة اخرى بعد ان قضيت كل اليوم في الأمن العامة مرة اخرى. وحينما كنت في موقف الأمن العامة كان هناك بين الموقفين العدد الكبير من القوميين العرب الذين شاركوا في 8 شباط والذين اصبحوا يتوددون لليساريين. 

جاء موعد المحاكمة وكانت في معسكر الرشيد وكانت بعد حدوث انقلاب 18 تشرين الثاني 1963. لا اعلم بالضبط متى ولكن اعتقد انها كانت في عام 1964 او 1965. وكانت حكومة عبد السلام عارف تحاول ان تميز نفسها عن البعثيين والظهور بمظهر المعتدل في المحكمة. حضر من مجموع المئة شخص حوالي عشرين شخص منا. وحضر للدفاع عني المحامي المعروف والقيادي في الحزب الوطني الديمقراطي “مظهر العوادي” وهو معرفة وصديق لصديق ابي ابو سعد” عبد الوهاب احمد العلي” والذي له افضالٌ علينا على الرغم من اختلافنا الفكري معه. وكان من الحاضرين المهندس حامد منيب البستاني. وطُلب منا ان نغير الأفادة وندعي عدم مشاركتنا في الأحتجاج وهذا ما فعله الجميع فيما عدا المهندس حامد منيب البستاني الذي حكم عليه بالسجن احد عشر شهراً مع التنفيذ وحكم على الباقيين وانا منهم السجن احد عشر شهراً مع وقف التنفيذ. 

ثلاث حكومات متعاقبة هي حكومة عبد الكريم قاسم وسلطة البعث الأولى عام 1963 وحكومة عبد السلام عرف كلها اتفقت على ان هذا النشاط هدام وعليه ساهموا جميعاً في اعتقالنا لمدة اربعون يوماً في ظروف سيئة جداً وحكم علينا بالسجن احد عشر شهراً واصبح لنا سجل في الأمن والجنايات بأعتبارنا محكوم عليهم، لا لشئ سوى لمحاولتنا تأييد الدعوة لوقف التجارب النووية ووقف سباق التسلح العالمي بين المعسكرين الشرقي والغربي. وهنا نتسائل ما هي العقلية التي دعت لهذا الأحتجاج في بلد مازال تحت الأحكام العرفية وممنوع فيه اي تجمع او تظاهر او اي نشاط سياسي او حتى مدني؟ كيف هدرت هذه الطاقات الشابة في عمل ملائم للمارسة فقط في الدول المتقدمة مثل الدول الأوربية. كان هذا النشاط وغيره من الأنشطة الغير مناسبة والغير ضرورية قد ادى الى خسارات وتضحيات لا مردود لها اطلاقاً للأسف الشديد. إلا ان هذا لا يعني الأنتقاص من الهدف السامي الذي سعت اليه هذه الأنشطة ولا يقلل من قيمة الشباب الذي انخرط بها، بل على العكس فأنها تظهر الكثير من نكران الذات ومن ان هناك اناس ينظرون للعالم كوحدة انسانية واحدة. وربما لولا برنارد روسل وحركة السلام العالمية والأحتجاج على التجارب النووية والدعوة لوقف سباق التسلح منذ ذلك الحين لما وصلنا لما نحن عليه اليوم من وقف للتجارب النووية والمعاهدات بين الدول العظمى لتخفيض الرؤوس النووية ومحاولة منع حصول دول اخرى على السلاح النووي الفتاك.

تحية للشباب الذين ناضلوا بكل صدق واخلاص من اجل الأنسانية جمعاء، والخزي والعار للمستبدين الذين اضطهدوا الأفكار الأنسانية وجعلوا ممارسة اي نشاط سلمي حضاري جريمة يدفع من يمارسها ثمناً باهضاً يصل لخسارته لوظيفته وحريته وربما حياته والهجرة من وطنه الذي احبه واخلص له. ومن المؤكد ان استمرار الأضطهاد القكري وكبح حرية الرأي لستة قرون ادى الى ما ألت اليه الأمور كما نراها اليوم من التدهور الحضاري وضعف الشعور الوطني لدى المواطن العراق.

محمد حسين النجفي

mhalnajafi.org

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You have successfully subscribed to the newsletter

There was an error while trying to send your request. Please try again.

أفكار حُـرة : رئيس التحرير محمد حسين النجفي will use the information you provide on this form to be in touch with you and to provide updates and marketing.