” مولود الجايجي استطاع ان يقدم السكن والخبز والثقافة والكرامة لأبنائه من تلك الچايخانة المتواضعة …… وقدم لعائلته ما لم يستطع الكثير من الميسورين من تقديمه لأبنائهم”.
قبل ستين عاماً في سوق الشورجة ببغداد:
لم يكن مولود الجايجي رئيساً لغرفة تجارة بغداد، ولا من كبار تجارها. لم يكن ابو عدنان من اغنياء بغداد ولا من اعيانها. ولم يكن ابو عدنان من الحسب او النسب الذي يحمل الألقاب التي تأهله للتأفف عن عامة الناس . كان عمي مولود الجايجي (وهكذا كنت اسميه حينما كنت صغيراً في العمر) مشهوراً كأفضل جايجي في سوق الشورجة صنف الزجاجيات والفرفوريات. يعمل بجدية وحماس من خلال بسطة چايخانة غير نظامية على حائط في مقدمة الدربونة (زقاق ضيق) يؤدي في نهايته الى جامع قديم، وهو جامع حسين بن الروح (وهو احد الأئمة الذين من المعتقد سينهضون عند ظهور

صاحب الزمان لموآزرته). كان ابو عدنان يعرف اذواق زبائنه، منهم من يحب الشاي سنكين (طوخ) ومنهم من يحبه وسط. منهم من يحب ان يشربه دشلمه (استخدام القند) ومنهم من يحبه سكر قليل . يعرف اذواقهم واحداً واحد، لذا لا داعي ان توصيه كل مرة. كان يستخدم ثلاث قواري يداور الشاي بينهما من واحد لآخر كي يخرج بتركيبته النهائية. واذا لم يكن لديه شاي مخدر (مهدر) جديد يطلب من الزبون الأنتظار. لم يستخدم صينية لحمل لعدة استكانات من الشاي وانما كان يجمعها فوق بعضها البعض ليحمل في كلتا يديه ما لا يقل عن ثمانيةاستكانات اذا تطلب الأمر.
اناديه عمي ويناديني عمي، وهي حالة نادرة متوارثة في التراث العراقي. حيث ينادي ابن الأخ عمه بكلمة “عمي” وينادي العم ابن اخيه “عمي”. وهذا ينطبق على العمة والخال والخالة. اناديه عمي لأنه من عمر والدي، وانا من عمر ابنه عدنان لذا يناديني عمي محمد حسين. اهم ما كان يميز العلاقات الأنسانية في سوق الشورجة هو الاحترام والتقدير الواضح بين الكبير والصغير، بين التاجر والحمال، بين الغني والفقير، بين الأسطة والصانع. الكل ينادي البعض بأبو فلان سواء بأسم الأبن الأكبر او البنت البكر. وبالنسبة لغير المتزوجين هناك كنية متعارف عليها. فمثلاً كل علي “ابو حسين”، وكل حسن “ابو فلاح”، وكل فاضل “ابو العباس”، وكل عبد “ابو النجوم” ……… الخ. اما انا ولأن اسمي مركب “محمد حسين” فكان معظمهم يناديني “ابو جاسم” والبعض يناديني “ابو علي”.
كانت علاقتنا مع موظفينا وعمالنا علاقات صداقة وحب واحترام. ولا ادري ان كان ذلك في كل الأزمان ام لأن تلك الفترة كانت ما بعد ثورة تموز 1958 التي خففت كثيراً من مظاهر التباين الطبقي والتأفف البرجوازي تجاه الناس الأقل ثقافة او منصباً. لذلك كان ابو عدنان من المحترمين في مجتمع التجار، وخاصة من قبل ابي والتجار الذين اعرفهم في محيطنا. تراه في الصورة الأولى واقفا جنبنا بمنتهى الثقة والشموخ. وفي الصورة الثانية تصورت مع سعيد وخاله جبر وهم من مستخدمي جارنا ومنافسنا التاجر جابر مهدي البزاز. سعيد كان دائماً انيقاً ومتألقاً وخاله جبر شخصية هادئة لا تفارق الابتسامة سمارة وجهه المملوء بالحنية والطيبة. ومن الملاحظ ايضاً الصورة الكبيرة للزعيم عبد الكريم قاسم وبجانبها صورة لمريم العذرة، وهي دلالة على انفتاح وتقدمية عائلتي.

كان عدنان ابن مولود الجايجي من عمري وكان يأتي في العطلة الصيفية الى الشورجة مثلي كي يساعد اباه. عدنان لم يكن كسائر الأحداث في عمرنا، كان من المهتمين في الدراسة ومن المبتعدين عن اللهو واللعب، لذلك كان منتظماً ومتفوقاً في دراسته. وكنا نتحدث كثيراً في كل الأمور بمنتهى الصداقة والأريحية خاصة في السياسة، الى ان تكالبت الأحداث الدامية في الموصل في آذار 1959 وكركوك في احتفالات تموز 1959*. كان معظم افراد عائلتي وانا واحد منهم من المحبين للزعيم عبد الكريم قاسم، ولذلك كان يتصدر محلنا صورة كبيرة له. ومن الجدير بالذكر انه بعد هذين الحدثين المؤسفين تحول نهج الزعيم عبد الكريم قاسم من التوافق مع الخط اليساري متمثلاً بالشيوعيين وحزب البارتي (الديمقراطي الكردستاني) الذين كانوا من اشد المتحمسين في تأييده، الى خط معادي لهم ونهج متنكر لهم
.ملقياً عليهم كل اللوم، كما اكد ذلك في خطابه حينما افتتح كنيسة مار يوسف في 17 تموز 1959 وتسميته لهم بـ “الفوضويين” وتركيزه على انه فوق الميول والأتجاهات

اصبحت هذه الأحداث حديث الشارع العراقي بعد انقسامه الى معسكرين، الأول الشيوعيون والأكراد وموآزريهم والثاني البعثيون والناصريون ومؤيديهم. وبطبيعة الحال اصبح هذا الموضوع مجال نقاش بيني وبين عدنان. كان عمي مولود يتحدث العربية بلكنة إلا انه كان يتحدث الكردية بطلاقية او هكذا تصورت. وعليه كان اعتقادي ان ابو عدنان وعائلته من الأكراد الفيلية الذين كانوا يشكلون نسبة جيدة بين تجار الشورجة ومنتسبيها. الحقيقة التي ادركتها من خلال اسى وغضب عدنان من احداث كركوك انه تركماني وليس كردي. وبالتالي وبعد احداث كركوك اصطف تركمان العراق مع البعثيين والقوميين نكياية بالشيوعيين والاكراد. وحقيقة الأمر ان بواطن الصراع كانت عرقية غُلفت بمظاهر سياسية.
كان الحديث بيني وبين عدنان يتطور تدريجيا ليكون مؤسفاً ومؤلماً في آن واحد. كان ينظرالى الأمور من خلال مكونه العرقي ومن انهم اقلية وانهم تحت رحمة الاكراد الذين يشتركون معهم في تاريخ مليئ بالصراعات الدموية وخاصة في مدينة كركوك. من ناحيتي كان الأنطباع من ان تركمان العراق لهم ولاء خاص لتركيا ومحبة وتقدير لكمال اتاتورك. كان فهمي لقضية الموصل وكركوك يختلف كثيراً عن المعلومات التي لديه. رأيه كان عاطفياً وعرقياً وذلك لحدوث مذابح على الهوية بين الاكراد والتركمان ولا الومه في ذلك. اما انا فكانت نظرتي سياسية وطنية مقياسها من مع الزعيم والثورة ومن هو ضدها؟
احداث الموصل وكركوك عمقت الشرخ بين ابناء الشعب الواحد مازالت آثارها ليومنا هذا. ولكن حقيقة الأمر ان العراق في تلك الفترة شهد صراعاً سياسياً وتدخلات اجنبية خاصة من قبل مصر ومؤامرات متوالية ومتعددة تجسدت في المؤآمرة الكبرى في صبيحة يوم 8 شباط 1963 حين سالت الدماء بلا حدود وليعيش العراق 9 اشهر مظلمة ادت الى تقويض صرح التقدم الحضاري في العراق ليومنا هذا في اعتقادي على الأقل.
مولود الچايچي ليس من المتعلمين ولم يحمل آراء سياسية متفوقة على المجتمع الذي يعيش فيه، إلا انه استطاع ان يقدم السكن والخبز والثقافة والكرامة لأبنائه من تلك الچايخانة المتواضعة وتلك القواري الثلاث المتميزة الألوان هي اللون الأحمر والأزرق والأخضر، ذات النهايات (الصنابير) (البلبولة) المثلومة والسماور البرونزي العتيق والفحم الكراجي الأسود، ليتخرج ابنه عدنان من كلية التربية الرياضية وليكون احد الحكام الدوليين المهمين في الألعاب الرياضية وخاصة كرة الطائرة، حيث كنت حينما اشاهده متحكما بالملعب بصفارته، اشعر بالفخر بنجاحه، وأتذكر والده الچايچي الشهم الذي خدم الناس بعرق جبينه وقدم لعائلته ما لم يستطع الكثير من الميسورين من تقديمه لأبنائهم.
اما الحوار بيني وبين عدنان فإنه مازال حياً بشكل وآخر ليومنا هذا بين الناس. الكل على حق، والكل مخطئين. الكل ظالم والكل مظلومين. وبين هذا وذاك تهدر الشعوب طاقاتها بثرثرة ابدية، كي ينفرد بنا ويتسلط علينا حكام لا يستحقون الحياة.
1 نيسان 2020
محمد حسين النجفي
www.mhalnajafi.org
_____________________________________________________________
* لفهم احداث الموصل وكركوك افضل، راجع كتاب حنا بطاطو، العراق: الكتاب الثالث: الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار، الفصل التاسع والفصل الحادي عشر.
** كذلك الرابط ادناه:
احداث كركوك، جاسم الحلواني







Leave a Reply