كان ذلك في صيف عام 1966 حينما بدأت آلام الزائدة الدودية تشتد عليّ لدرجة موجعة جداً من الصعب احتمالها. وكان قد قيل لي من انني لا بد ان اتهيأ لأستصالها. قلت لوالدي من انني سوف اذهب الى المستشفى الجمهوري كي يستأصلوا الزائدة. رفض والدي ذلك لأننا عائلة ميسورة وقال لي لابد ان يتم ذلك في مستشفى اهلي. قلت لوالدي انها عملية بسيطة وانت تعرف افكاري الشعبية ولا اريد ان اعامل باعتباري من ابناء الذوات. انا واحد من هؤلاء الناس العاديين، اريد ان امر بتجاربهم سواء اكانت جيدة ام تعيسة، بسيطة ام معقدة، فاشلة ام ناجحة. اجابني والدي بأنه يفهم موقفي، ولكن الناس سيعتقدون اننا اناس بخيلون. قلت ياابي لايهمني مايقوله الناس. وتطور النقاش بيننا ولم نصل الى نتيجة وسمع بالموضوع خوالي ومنهم خالي محسن الذي اقترح حلاً وسطا. حيث انه لديه صديق ضابط في الجيش وهو بدوره لديه صديق جراح في مستشفى الطوارئ في الشيخ عمر. وقال لي انه مستشفى حكومي مجاني وشعبي، ولكن على الأقل سيكون الجراح من معارفنا وسيهتم بك ونكون نحن على اطمئنان.
وافقت على هذا الحل ارضاء للجميع وخاصة لوالدتي التي كانت قلقة جدأ من العملية، مابالك ان تمت في مكان غير مناسب. تمت الترتيبات على ذلك وذهبنا انا وابي وخالي محسن وصديقه الضابط الى مستشفى الطوارئ لنلتقي بالجراح وكان كل شئ معد للمباشرة بالعملية. وقبل البدء بأجراءات التخدير، طلب الجراح من احد الممرضين فتح الراديو والبحث عن احدى اغاني ” ام كلثوم ” الجديدة ” انت عمري” و “انت الحب” التي كانت تُعزف ليل نهار في معظم الأذاعات العربية. واخيرا اتفقوا ان تجرى العملية على انغام انت عمري. وقال لي الجراح وبيده المشرطة، اطمئن قبل ان تنتهي ام كلثوم من الأغنية نكون قد انتهينا من العملية.
طبعاً انا مُمدد على طاولة الجراح الذي بيده السكين من جهه وسيطرب ويصيح الآهات مع ام كلثوم من جهة اخرى. شعرت بالقلق، ولكن قلت لنفسي انها الثقة بالنفس. ربما هذا هو الطب الحديث. نعم انهم اطباء شباب ومن مدرسة الطب الحديث! ام ربما انهم لا يبالون، وبأرواح مرضاهم يستخفون؟ لا ادري اختلطت عليّ المشاعر وتذكرت إلحاح ابي وعدم رضاه على اختياري. وبينما كنا في منتصف المقدمة الموسيقية الرائعة لعبقري الموسيقى العربية محمد عبد الوهاب وقبل ان تصدع حنجرة ام كلثوم بصوتها الهادر المؤثر تسلل البنج (المخدر) الى رأسي. وأفقت فعلاً قبل ان تنتهي كوكب الشرق من آخر مقاطع تلك الأغنية التي جمعت لأول مرة بين عمالقة الفن العربي.
اخذوني الى غرفة النقاهة ذات السريرين . كان في السرير الاول رجل مُسن والسريرالثاني كان لي. كان سريره اقرب الى باب الغرفة اما سريري فكان اقرب الى النافذة. ولما كنا في منتصف صيف عراقي من الدرجة الأولى فإن النوم قرب النافذة يعتبر بمثابة رحلة الى المصيف. استيقضت في اليوم الثاني وطلب مني الممرض ان اتمشى في ممرات المستشفى حتى افرغ جوفي من البنج وارتاح. وفعلاً استمريت بالتجوال وتعرفت على بعض الوجوه وما يجري في ردهات المستشفى من اشخاص واحداث وقصص. وجاء الفرج وشعرت بدوار وغثيان وذهبت الى الحمام وتقيأت سماً مراً اهتز له كل جسمي. إلا انني شعرت براحة كبيرة وكأن ثعباناً كان مختبأ في صدري وتخلصت منه.
ذهبت الى غرفتي وكان فيها ينتظرني المعين (الفراش) وكان نحيفاً جداً طويلا جداً يبدوا من محياه انه من ابناء الجنوب وانه من سكنة مدينة الثورة. سالني عن اسمي وقال لي ان اسمه “شبوط”. لأول مرة اسمع بأن شخصاً اسمه شبوط الذي هو عادة نوع من انواع السمك العراقي النهري الفاخر. كان شبوط بشوشاً منكتاً يفتعل الفكاهة ولديه كل اخبار الأطباء والممرضات والمرضى ومايدور بينهما. وبدأ يحدثني عن الشقاوة الفلاني الذي طعن بالسكين في عكد الاكراد والمومس الفلانية التي اعتدى عليها خمسة من الأنذال طوال الليل مراراً وتكرارا حتى نزفت لتموت لولا ان انقذوا حياتها في الطوارئ، والصبي الفلاني الذي اغتصبه معلم الرياضة. قصص مذهلة لا تسمع عنها في المستشفيات ألاهلية والمجتمعات البرجوازية.
ولكني سألته عن فتاة شابة رأيتها تتمشى في الممرات لابسة دشداشة سوداء رقيقة ذات قوام في منتهى الرشاقة ووجه في ابهى صورة لفتاة من اجمل ما يمكن، ولكن يغلب على محياها حزن عميق وشرود مذهل. سألت شبوط، ما هو موضوعها؟ لم يستطع شبوط البدأ بالكلام قبل ان يشعل سيكارته كي يسرد عليّ قصتها المؤلمة من ان حبيبها قد هجرها وتزوج غيرها فحرقت نفسها واحترق كل جسمها سوى وجهها. ارادت الموت ولكن الطب لم يرحمها وابقى عليها كي تعاني الأمرين. فقدت الحبيب وفقدت الجسد وتبقى الروح تلوب بين الحسرة والندم. هزني شبوط في هذه القصة المؤلمة ورأيت التأثر في لمعة عيونه وفي الغصة في كلامه. نعم كان الجميع يتعاطف معها ويأسف عليها. ولكن ياترى ما كانت مشاعرها وكيف كانت تفكر بداخلها؟
|
|
جائت الظهيرة واذا بأبي وامي وخوالي مهدي ومحسن وكريم يأتون لزيارتي ومعهم ما لذ وطاب من اكل وفاكهة ولحوم. فما كان الا ان فرشوا السفرة وبدأنا نأكل جميعاً واصر خالي مهدي على نحر الرقية (البطيخ الأحمر) كي نبرد بها قلوبنا. اما امي فقالت احتفظ بهذه الدجاجة المسلوقة للعشاء وعليك ان تأكلها بكامها لأنك بحاجة الى تعويض مما فقدت من الدم ووجهك اصفر شحيح. ولم تدع اي شخص يمس الدجاجة. كان اجتماعاً عائلياً من اجمل ما يمكن تخللته النكات والضحك خاصة من قبل خالي مهدي. اما والدي فكان متعب من المرض العضال الذي بدأ يظهر على محياه. ولكن في ذلك اليوم كنت انا المريض وانا مركز الأهتمام، حيث انني في ذلك الحين كنت الفتى الأول في العائلة ومركز اهتمام جميع افرادها.
ذهب الجميع وبعد ذلك الأكل اللذيذ استغرقت في نوم ظهريٌ صيفي عميق، لم افق منه إلا على صيحات شبوط وهو يلعن البزونة (القطة) التي سرقت الدجاجة واكلتها. ثم اخذ بالكلام لماذا تركت النافذة مفتوحة؟ يا “ابو جاسم” ألا تعلم ان البزازين هنا بأنتظار الفرص الذهبية؟ واستمر بالكلام الذي من كثرته بدأ يفضح نفسه بنفسه. نظرت الى الجدر فلم اجده مقلوباً ولم ارى اي من ماء الدجاج مسكوباً على الأرض. وبالتالي كانت عملية قرصنة متقنة قام بها شبوط كي يستولي على دجاجتي ويستغفلني وانا نائم. المشكلة انني تعاطفت مع شبوط لخفة دمه ودماثة خلقه ولسرده تلك القصص لي عن العائمين في فضاء مستشفى الطوارئ. ولعل شخص مثل شبوط رغم طيبته لايجد ضرراً في الأستيلاء على دجاجة ابن عائلة برجوازية يزاحم الفقراء في مستشفاهم! ولهذا السبب قررت التعاطف معه وعدم مواجهته في موضوع القرصنة. ولكني سألته: الم تترك البزونة لي فخذ لو جنح لو شويت لحمة صدر؟ قلت ذلك بطريقة استهجانية. ظهرالأستحياء على وجهه وقال ولا يهمك ” ابو جاسم “هاليوم اكل المستشفى من احسن ما يمكن وعشاك على حسابي. وظللت اسأله كيف خطفت البزونة الدجاجة؟ وفي كل مرة يسردها لي بطريقة مختلفة ولكنها مسلية ومشوقة. وكان الضحك نهاية الكلام.
محمد حسين النجفي
كانون الثاني 17, 2018
malnajafi@aol.com







Leave a Reply