طلب مني الأستاذ مهدي العاني أن أساعده بمراقبة الطلاب أتناء أداءهم امتحان فصلي لانه صف مدرج وواسع من الصعب السيطرة عليهم. وافقت على ذلك بترحاب. ذهبت معه إلى أحد صفوف السنة الأولى اقتصاد حيث يحاضر فيها الأستاذ مهدي مادة مبادئ الاقتصاد. وزع عليهم الأسئلة وبدأ الطلاب بالإجابة كالمعتاد. لفت نظري ان احد الطلاب في منتصف المدرج تقريبا يحاول الغِشّ من زميله المجاور. ذهبت اليه وبمنتهى الهدوء طلبت منه ان لا يفعل ذلك وان يركز نظره على ورقة إجابته فقط. طبعاً أستاذ مهدي لاحظ ذلك من موقعه في مقدمة الصف خلف منصة إلقاء المحاضرة. كان هذا الطالب مصمماً وبشكل واضح وعلني في سعيه بالغش عن طريق أخذ المعلومات من زميله المجاور. وبما أني لم أكن أستاذه المباشر قررت ان أنبهه مرة ثانية بدل من إخراجه من الصف.
مهدي العاني وعلى يمينه تقي العاني اثناء حضورهم نقاش |
الدكتور عبد الجبار عبد الله |
لم يفهم الطالب جدية الموضوع وتصور أن التحذير سيبقى تحذيراً. طبعاً في هذه المرحلة ركز عليه أستاذ مهدي، وحينما رَآه يغش للمرة الثالثة طلب منه ان يسلم ورقته الامتحانية ويترك القاعة. وحينما رفض الطالب ذلك، صاح عليه أستاذ مهدي بأعلى صوته بأن يترك الصف. نزل الطالب من المدرج وقبل ان يخرج قال بعصبية وأسلوب تهديدي:
“سأذهب إلى الاتحاد اللي يحميني منك واشتكي عليك”
وللأسف أجابه أستاذ مهدي بانفعال حاد:
“اطلع خره عليك وعلى الاتحاد”
قنبلة رماها الطالب المتهور، رد عليه الأستاذ بقنبلة مدوية اتعس منها. كلمات خرجت من فمه دون تفكير بالعواقب الوخيمة المترتبة على مَسبت “الاتحاد الوطني لطلبة العراق” وهو المنظمة الطلابية الرسمية وجناح من الأجنحة المهمة لحزب البعث العربي الاشتراكي، الحزب الحاكم الذي يسيطر على السلطة بيد من حديد. كان وقع هاتين القنبلتين في عام 1977 على القاعة التي تحوي على حوالي ثمانين طالب وطالبة معظمهم على الأغلب منتسبين للاتحاد ولحزب البعث، همهمة مدوية أعقبها سكون مخيف وتوجس مذهل.
نزلت من اعلى المدرج إلى أسفله حيث منصة ألإلقاء التي يحتمي خلفها الأستاذ مهدي. قلت له: ماذا فعلت؟ قال: “أكلت خره”. قلت: ماذا ستفعل؟ قال: لا ادري. فكرت سريعاً، وقلت له: حسناً، ليس أمامك سوى إنكار ما قلت وسوف اشهد بذلك. قال: ولكن سمعني كل الطلاب. أجبته بقوليً المشهور: “كلهم بكف وانا بكف”. قال: كيف؟ قلت: لا عليك. كل ما أريدك أن تقوله انك قلت خره عليك وعلى أليحميك. اخبرته من اني مضطر للخروج فوراً كي ارتب الأمور قبل فوات الأوان. خرجت من الصف ابحث عن زميل وصديق لديه نفوذ لدى الاتحاد والحزب، الذي نعتمد عليه في الشدائد والملمات. وحينما عثرت عليه أخبرته بمنتهى الصراحة في الموضوع، وقلت له اريد مساعدتك كي ننقذ أستاذ مهدي. قال: كيف؟ قلت: دعني أتصرف معتمداً على أساندك لي، طبعاً بيني وبين الزميل صداقة متينة عابرة للالتزامات السياسية. وبينما كنا نفكر كيف سنعالج الموضوع، بدأ طلبة الأستاذ مهدي يخرجون من الصف متجمعين حول رئيس الاتحاد عبد الكريم، وهو احد طلابي في السنة السابقة ومن الطلاب المعقولين جداً في تصرفاتهم. كان الطلاب متذمرين جداً من أستاذ مهدي لأنه أهان اتحادهم.
طلبت من عبد الكريم رئيس الاتحاد أن أكلمه، الذي وافق احتراماً وخجلاً. جلسنا أنا وهو وصديق الأسناد في غرفة الأساتذة. أبلغته من أني كنت مع أستاذ مهدي في القاعة والموضوع ليس كما صوره له الطلاب. أجابني: أستاذ كل طلاب الصف يقولون إن الأستاذ سب الاتحاد. وبعد أخذ ورد أقنعته ان نستدعي الطلاب انفراداً ونستفسر منهم ما حدث. بدأ الطلاب يدخلون تباعاً الواحد بعد الآخر. كنت اركز في أسئلتي هل لاحظوا كم مرة حذرت الطالب؟ قالوا نعم، وكيف أنه تحدي ألأستاذ وهدده؟ قالوا نعم. إلا أني حينما أقول أني سمعت أستاذ مهدي يقول “خره عليك وعلى الذي يحميك” يقولون كلا قال: ” خره عليك وعلى الاتحاد”. بعد ان اكتفينا بالشهود سألت عبد الكريم: ما الذي تريد ان تفعله؟ قال: أنا رئيس الاتحاد ولايمكن أن أتسامح مع شخص يسب الاتحاد مهما كان ولا بد لي من ان ارفع تقرير بذلك. قلت له كريم كل الحق معك، وأنا أرى من الضروري أن يعتذر أستاذ مهدي في نفس الصف وبحضورك أنت شخصياً. أجابني ان هذا لا يكفي وان الموضوع قد خرج من يديه وان كل الطلاب سوف يكتبون التقاريرعما حدث. قلت بصراحة كريم ان عدد الأساتذة العراقيين هو اقل من الأساتذة المصريين. وان لدينا مشكلة، حيث ان الأساتذة المصريين بالرغْم من جدارتهم العلمية إلا إن الامتحانات منفلتة في صفوفهم. ونحن الأساتذة العراقيين لا نسمح بالانفلات والغش. وحينما نمسك احدهم متلبسا يهددنا بالاتحاد. ودعني أسألك هل ان الاتحاد فعلا سوف يقف إلى جانب الطالب الغشاش ضد الأستاذ الذي يحترم مهنته؟ أني أرى انه بعد ان يعتذر أستاذ مهدي تتحدث أنت بعده وتبلغ الطلبة من ان للاستاذ الحق في محاسبة الطالب الذي يسعى للنجاح عن طريق الغِشّ وانه لا يمكن للاتحاد أن يسند هذا النوع من الطلاب.
وعلى الرغم من هدوء وعدم كلام صديق الأسناد كثيرا إلا أن وجوده معي قد منحني زخم وثقة في الكلام. تأمل عبد الكريم قليلا ووافق على هذا الحل. تنفست الصعداء وذهبت لغرفة اساتذة قسم الاقتصاد وأبلغت أستاذ مهدي بالإنجاز العظيم. كان رد فعله غريبا من انه لا يريد الاعتذار وانه على حق والطالب “داس في بطنه”. وعلى الرغم من تقديري واعتزازي بموقفه الشجاع إلا اني توسلت اليه واقنعته ان يتقبل الحل وإلا ستكون النتائج ربما وخيمة وغير محمودة. اتفقنا على يوم الاعتذار بحضور رئيس الاتحاد. جاءني بعد ذلك عبد الكريم وقال لي ان أستاذ مهدي لم يعتذر بشكل واضح. أجبته من أني متيقِّن من انه ندم على ما قال ولكنك لا ترد أن تذله أمام طلبته اكثر من ذلك. طبعاً كنا جمعياً نتوجس الخوف لأيام واسابيع من ان هذا الحدث سوف يأخذ مجرى آخر.
مرت الأعوام وسألت عنه الزميل حمزة الشمخي فقال لي للأسف الشديد ان الدكتور مهدي صالح العاني الذي اكمل الدكتوراه في الاقتصاد من بولونيا وعاد للوطن لخدمته، قد اغتيل في شهر أيار من عام 2007 وكان من ضحايا العنف الطائفي اللعين الذي شهده العراق بعد عام 2003، والذي شهدته الجامعة ألمستنصريه بشكل مكثف في الأعوام 2007/2005. كان الأستاذ مهدي صالح العاني من الدفعة الأولى لخرجي ماجستير اقتصاد، جامعة بغداد عام 1975. تعين عضواً في الهيئة التدريسية مع مجموعة شابة من دفعته هم فوزي العاني وأوس وتقي العاني وفليح الغري. كانوا مجموعة من المخلصين في عملهم ارادوا خدمة وطنهم، ولكن بدلاً من ان يحترموا ويقيموا، دفعوا ثمناً غالياً وصل حد التضحية القسوى. وللأسف الشديد فإن العلماء والأطباء والمهندسين والمثقفين والأقتصاديين والتكنوقراط دائماً يستهدفون بالفصل او ألاعتقال أو القتل كلما حدث تغيير سياسي في العراق. ومن سلم منهم او افرج عنه اضطر الى مغادرة العراق خوفاً من العقاب الذي لا نهاية له. ولنا في قصة عالم العلماء الفيزيائي ورئيس جامعة بغداد المحترم والمقدر محليا ودوليا البروفيسور عبد الجبار عبد الله، وما تعرض له من سجن وإهانة وتعذيب على ايدي حركة 8 شباط 1963 خير مثال ونموذج لما يمكن ان يحصل لكل عالم او طبيب او مهندس يعود لوطنه كي يخدمه. ولهذا السبب تجد افضل الكفاءات العلمية العراقية موزعة على أنحاء دول العالم في إنكلترا وأمريكا وأوربا واليمن وليبيا والجزائر والأردن وكافة الدول الأخرى. وفي اعتقادي ان اضطهاد الكفاءات هو من بين الأسباب الرئيسة لتدهورالحضارة والوصول إلى ما نحن عليه اليوم.
محمد حسين النجفي
www.mhalnajafi.org
#الجامعة_المستنصرية #الدكتور_مهدي_صالح_العاني #عبد_الجبار_عبد_الله #التعليم_العالي #العراق #محمد_حسين_النجفي
روابط ذات علاقة:








Leave a Reply